أخبار وطنية

أزمة الاتصال الرئاسي… كيف تُهدر المليارات على صناعة الهشاشة؟

محمد عبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي ، انواكشوط

في أي نظام سياسي، يُفترض أن تكون المنظومة الإعلامية للرئاسة خط الدفاع الأول عن صورة رأس الدولة، أداةً لتشكيل الوعي العام، وضبط الرسائل الرسمية بما يعزز الهيبة والمصداقية. لكن في الحالة الموريتانية، يبدو أن مكتب الإعلام في الرئاسة، الذي تُصرف عليه مئات الملايين من أموال الشعب، قد تحوّل من حصن حماية إلى بوابة مفتوحة على مصاريعها لكل ما يقوّض صورة الرئيس وهيبته. صور غير مدروسة، وتصريحات ارتجالية، ومشاهد عفوية تُدفع إلى الرأي العام دون تمحيص، لتتحول إلى مادة ساخرة في الشارع وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.حيث لايبدولي أن هذا عمل إعلامي مهني مدروس، بل هو نشاط مرتجل من غير العارفين بخفايا وأسرار تقنيات الإعلام والاتصال.

■ التناقض بين الرسائل والمضمون

المفارقة المؤلمة تكمن في هذا الانفصام بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي. فحين تُصاغ تهنئة رئاسية على “عودة الماء” أو “نجاح زيارة لمستشفى” بأسلوب مبالغ فيه، لا يقرأها المواطن كتعبير عن اهتمام، بل كصورة هزلية عن سلطة لا تدرك حجم الأزمات الحقيقية. الرسائل التي يُفترض أن تعزز الثقة، تتحول إلى نكات جاهزة، وكأن الحكومة وحزبها الحاكم يسخران من معاناة الناس بدلًا من معالجتها.

■ تآكل الهيبة السياسية

الصورة السياسية، مثل الزجاج، إذا تشققت بفعل السخرية الشعبية والتصريحات المرتبكة، يصعب ترميمها. حين يصبح الرئيس مادة يومية للنكات والتعليقات الساخرة، وحتى البيانات الرسمية تصب في نفس الاتجاه، فإن الخطر لا يقتصر على شخص الرئيس، بل يمتد ليطال هيبة الدولة ومؤسساتها. ومع التكرار، يتحول هذا التآكل إلى حالة ذهنية عامة، تجعل أي خطاب أو مبادرة رسمية مشكوكًا في جديتها.

■ زلات الحلفاء أشد وقعًا

الأخطر أن هذه الأخطاء لا تأتي فقط من الخصوم السياسيين، بل من داخل البيت نفسه. تصريحات مثل جملة ولد أبريد الليل الشهيرة عن “عدم التوفيق”، تجد اليوم أرضية خصبة للانتشار، لأن أداء الفريق المحيط بالرئيس يعيد إنتاجها عمليًا. كل زلة من الحلفاء، وكل خطاب أو صورة غير مدروسة، تتحول إلى رصاصة جديدة في قلب المصداقية السياسية للرئاسة.

■ خاتمة

في زمن الصورة السريعة والرأي العام المتقلب، لم تعد الهيبة السياسية تُبنى بالخطابات وحدها، بل بحسن إدارة الرسائل، وضبط الصورة، وتفادي الارتباك الإعلامي. وإذا لم يُعَد النظر في آليات الاتصال داخل مؤسسة الرئاسة، فإن مئات الملايين التي تُهدر على هذا الجهاز لن تنتج سوى مزيد من التآكل، ومزيد من الهشاشة في قمة هرم السلطة.

زر الذهاب إلى الأعلى