ثقافة

أسطورة “خيت الناس”: حين صار الهوى قصيدة خالدة في ذاكرة المجتمع

● خيطُ الضوء في ذاكرة الرمل

في صباح شتوي من ثلاثينيات القرن الماضي، كانت أبي تلميت تستيقظ على حركة غير مألوفة. وجوهٌ تتقاطر نحو المستشفي المركزي بالمدينة  ، كأنما ناداها خبرٌ خرج من عمق الذاكرة. لم يكن الأمر سوى وصول امرأة من البادية تلتمس شفاء الجسد، غير أن الاسم الذي سبقها كان كافيًا ليوقظ في القلوب زمنًا آخر: “خيت الناس”.
كانت قد عبرت العمر، لكن الاسم ظلّ يحتفظ بفتنته الأولى، كأن الزمن يعجز عن أن يمسّ ما مسّه الشعر.
حين يلمس الهوى تخوم الرمز
في شبابها، لم تكن “خيت الناس” مجرد وجه جميل يمرّ في طرقات الذاكرة، بل كانت معنىً يتشكّل في وجدان شاعرٍ جعل من الإشارة لغة، ومن الرمز وطنًا. رأى فيها محمدو ولد محمدي العلوي صورةً للجمال الذي يوقظ الروح قبل العين، فصاغ لها قصائد لا تذكر الاسم إلا لتدلّ على ما وراءه: على فتنةٍ تتجاوز الشخص لتصير رمزًا للحياة حين تُرى بعين المحبة.
كان الشاعر، وهو يوازن بين القلب والعقل، يقدّم للهوى صورة مهذّبة لا تجرح الوقار ولا تنقض السكينة، بل تفتح نافذةً رفيعة على عالمٍ أرحب، حيث يصبح العشق تأمّلًا في الجمال الإنساني، لا اندفاعًا إلى الفتنة العابرة.
لغة التلميح بدل التصريح.
في قصائده، لم يكن الحب صخبًا، بل موسيقى خفيّة تُسمع بين السطور. يتقدّم الرمز خطوة، ويتراجع الاسم خطوة، حتى يصير المحبوب ظلًّا من نور، وتغدو المشاعر معبرًا إلى معنى أعمق: أن الإنسان، حين يتهذّب شوقه، يسمو به، وحين يترفّع عن الادّعاء، يربح صدق التجربة.
قصيدة “خيت الناس”: اعتراف رقيق بالهوى
ومن أخلد ما قيل في تلك التجربة الوجدانية، قصيدته الشهيرة التي صارت عنوانًا لمرحلة كاملة من الغزل العفيف، وفيها يواجه الشاعر عتاب اللائمين بوقار العارف بما في قلبه:

يقول محمدو ولد محمدي فيها.
ماذاق قلبُ محبٍ من هوى العين :: ماذاق قلبيّ من إحدى “المرادينِ”
أمسى أخوك بها من بعد رجعته :: عن الصبا عينَ ساهي العين مفتون
وددتُ لما رمت قلبي لواحظها :: لو أنها بمواضي النبل ترميني
فليسترح من عَناهُ أن يحذرني :: من لايحاول بالتحذير يغريني
إن كان ذُلي وهُوني في مودتها :: فعِزّ أهل الهوى في الذل والهون
أوكنت حدت عن النهج القويم ألا :: إني درجت على نهج المحبين
أو كان يزرى بمثلى حبّها فلقد :: رضيتهُ فارضَ لي ما كان يرضين
إن لم يصب حبُها جسمي بمعضلة :: إني لفي خطر منها على ديني

ويقول فيها قصيدته الخالدة :
فيمن أهيم بها لاموا ولو هاموا :: بمن أهيم بها يوما لما لاموا
هام الفؤاد بمن لولا ملاحتها :: ما سفهت من ذوي الأحلام أحلام
هام الفؤاد بـ “خيتِ الناس” بحت بها :: إذ في الكناية تلبيس وإبهام
هام الفؤاد بمن من برح ذكرتها :: للعين والقلب تهمال وتهيام
بها تسليتُ عن ليلى وهندَ وعن :: أسما وسلمى وأشهادي بذا قاموا
تلك التي من لماها مسني لممٌ :: بادٍ ومن سقم الأجفان أسقام
من هاب وصل حبيب للملام ألا :: إني عليه وإن لاموا لمقدام
وإن صحا كلفٌ عن من يهيم به :: فلي حياتي بخيتِ الناس تهيام
بعضَ الملام فلي عن لومكم صمم :: مافي الهوى للفتى عارُ ولا ذام
راموا أن اسلوَ خيتَ الناس إذ جهلوا :: مابي، لمن أصعب الأشياء ماراموا
قبلي قد اعتام أهلُ الحب قاطبة :: فِعْلي، وإني لمُعتامٌ لما اعتاموا
قالوا اقتدِهْ بذوي الأحلام قلت لهم :: للجهل قوم كما للحلم أقوام
إن تمنع الوصل أيامٌ لنا فعسى :: أن تمنح الوصل للمشتاق أيام

(وتُروى للقصيدة روايات متعددة في الألفاظ والترتيب، غير أن روحها واحدة: روح الاعتراف الهادئ بالهوى، دون خصومة مع القيم أو الوقار.)

● اعتراف الأجيال بالشعر
وتُحكى واقعة اللقاء بين الشاعر الشاب والعلّامة امحمد بن الطلبه اليعقوبي، حين أنشد محمدو بعض أبياته، فاهتزّ الشيخ طربًا. لم يكن ذلك الطرب إعجابًا بمطلعٍ جميل فحسب، بل اعترافًا بأن للشعر لحظات يتجاوز فيها صاحبه جيله، وأن الموهبة حين تشتعل، تُربك المقاييس وتعيد ترتيب المقامات.

● من سيرة إلى معنى
مرّت الأعوام، وغابت الوجوه، وبقي الأثر. لم تعد “خيت الناس” في الذاكرة اسمًا لشخص بعينه، بل صارت رمزًا للجمال الذي يمرّ مرّة في العمر، ويترك في الروح أثرًا لا يزول. وهكذا يفعل الشعر حين يمسّ التجربة الإنسانية: ينقلها من حدود الحكاية إلى أفق الرمز، ومن واقعة عابرة إلى معنى مقيم.
في النهاية، ليست الحكاية حكاية حبّ فحسب، بل حكاية كيف يحفظ الأدب ما يتسرّب من بين أصابع الزمن؛ فالأجساد تفنى، أمّا المعاني التي يوقظها الشعر، فتمشي في الذاكرة كخيط ضوء لا ينطفئ.

▪︎ مقال أدبي
محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي وكاتب- انواكشوط

زر الذهاب إلى الأعلى