مقالات

الأمم المتحدة : اعتراف تاريخي بالعبودية: من الماضي إلى العبودية الحديثة

 

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب

medabd388@gmail

 

 

● من اعتراف الأمم المتحدة إلى صمت الداخل:

في 25 مارس 2026، أقرت الأمم المتحدة رسميًا بأن تجارة الرقيق عبر الأطلسي والعبودية القائمة على العنصرية تمثلان «أخطر جريمة ضد الإنسانية». خطوة وُصفت بالتاريخية، أعادت الاعتبار الرمزي لملايين الضحايا، وفتحت نقاشًا عالميًا حول العدالة وجبر الضرر.
لكن، في الوقت الذي يتحرك فيه العالم نحو الاعتراف، يظل السؤال أكثر إلحاحًا داخل بلدان مثل موريتانيا: لماذا لا تزال بقايا العبودية قائمة؟ ولماذا يستمر الإفلات من العقاب رغم وضوح الجريمة تاريخيًا وقانونيًا؟

● إرث لم يُدفن
العبودية في موريتانيا ليست مجرد ماضٍ بعيد، بل واقع ترك بصماته العميقة على البنية الاجتماعية. فطبقة لحراطين،(الأرقام السابقين الناطقين بالحسانية ) التي يُقدَّر أنها تمثل أكثر من  50% من الموريتانيين  وفق بعض التقديرات، ما تزال تعاني من التهميش الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وعندما تُضاف إليها فيئة الارقاء السابقين لمكونات وطنية أخرى عانت تاريخيًا من الإقصاء—كالناطقين بالبولارية والسونينكي والولوف—يتضح أن ما يُسمى بـ”ضحايا الإرث الاجتماعي للعبودية” يشكلون أغلبية عددية، لكنها تعيش في موقع الهامش، لا في موقع التأثير.
هذه المفارقة الصادمة—أغلبية مهمشة—تكشف خللًا بنيويًا عميقًا في توزيع السلطة والثروة، يتجاوز مجرد الإرث التاريخي إلى سياسات معاصرة تعيد إنتاج نفس العلاقات غير المتكافئة.

● لماذا تستمر بقايا العبودية؟
من منظور نقدي، لا يمكن فهم استمرار هذه الظاهرة دون تفكيك أسبابها الحقيقية:

● التفسيرات والمبررات الدينية

في جوهر الأديان، بما فيها الإسلام، دعوة صريحة إلى تحرير الإنسان وكرامته. لكن الإشكال لا يكمن في النص، بل في تأويله.
في بعض السياقات الموريتانية، تم توظيف قراءات تقليدية أو مجتزأة للنصوص الدينية لتبرير علاقات تبعية تاريخية، وتصويرها كجزء من “نظام طبيعي” أو “ترتيب اجتماعي مشروع”. هذه التفسيرات، التي تتجاهل المقاصد الكبرى للدين—كالعدل والمساواة—تُستخدم أحيانًا لإضفاء شرعية أخلاقية على واقع لا يمكن تبريره إنسانيًا.
وهنا تكمن الخطورة: حين تتحول المرجعية الدينية من أداة للتحرر إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة والإستعباد .

● الإفلات من العقاب:
رغم وجود قوانين تجرّم العبودية، فإن التطبيق يظل محدودًا. نادرًا ما تصل القضايا إلى العدالة، وإن وصلت، غالبًا ما تُفرغ من مضمونها. هذا الواقع يبعث برسالة واضحة: الجريمة موجودة، لكن المحاسبة غائبة.

● التحالف بين السلطة والبنية الاجتماعية التقليدية:
تتداخل السلطة السياسية مع البنى القبلية والاجتماعية، ما يجعل من الصعب تفكيك علاقات الهيمنة التاريخية. فبدل القطع مع الماضي، يتم في كثير من الأحيان التكيف معه وإعادة إنتاجه.

● التهميش الاقتصادي الممنهج:
الفقر ليس عرضًا جانبيًا، بل أداة غير مباشرة لإدامة التبعية. حين يُحرم جزء كبير من المجتمع من التعليم والفرص، يصبح التحرر النظري بلا أثر عملي.

● الصمت الاجتماعي والخوف:
ما يزال كثير من الضحايا يعيشون في صمت، إما خوفًا من الانتقام أو نتيجة تطبيع طويل مع واقع غير عادل. هذا الصمت هو أحد أخطر أشكال استمرار العبودية، لأنه يحولها من جريمة إلى “وضع مألوف”.

● من العبودية التقليدية إلى العبودية الحديثة
إذا كانت العبودية التقليدية قد تراجعت في شكلها الصريح، فإنها لم تختفِ في جوهرها. فقد تحولت إلى أشكال أكثر تعقيدًا:
العمل القسري، التبعية الاقتصادية، الحرمان من الحقوق الأساسية، والاستغلال غير المتكافئ— تمثل امتدادًا حديثًا لنفس المنطق القديم: السيطرة على الإنسان وتجريده من كرامته.
وهنا تتقاطع موريتانيا مع ظاهرة عالمية تُعرف بـ”العبودية الحديثة”، لكن خصوصيتها تكمن في أن هذه الظواهر ليست وافدة فقط، بل متجذرة في تاريخ اجتماعي لم يُحسم بعد.

● اعتراف بلا أثر؟
اعتراف الأمم المتحدة يضع العالم أمام مسؤولياته، لكنه يضع موريتانيا أمام اختبار أكثر حساسية:
هل سيبقى الاعتراف حدثًا دوليًا بعيدًا، أم سيتحول إلى فرصة لمراجعة الداخل؟
فالعدالة لا تتحقق بالبيانات، بل بالإجراءات:
▪︎ تطبيق صارم للقوانين
▪︎ حماية فعلية للضحايا
▪︎ تمكين اقتصادي وتعليمي حقيقي
▪︎ إعادة توزيع عادلة للفرص

● أغلبية تتألم في صمت
ما تكشفه الحالة الموريتانية ليس مجرد بقايا عبودية، بل أزمة عدالة.
أغلبية عددية—من لحراطين ومكونات أخرى—ما تزال تعاني التهميش بدرجات متفاوتة، في ظل صمت ثقيل، وغياب إصلاحات جذرية.
الاعتراف العالمي خطوة مهمة، لكنه لا يكفي.
فالأسئلة الحقيقية تُطرح هنا، في الداخل:
▪︎ من يحاسب؟
▪︎ ومن يملك الشجاعة لكسر هذا الإرث؟
▪︎ ومتى تتحول الذاكرة من مجرد اعتراف… إلى عدالة حقيقية؟!

 

زر الذهاب إلى الأعلى