الإرتجالية … حين تصبح القرارات السيادية مجرد تجارب قابلة للإلغاء

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب ، انواكشوط
لم تكن الارتجالية يومًا حادثًا عرضيًا في مسار الدولة الموريتانية، بل ظلت ــ في كثير من اللحظات الحاسمة ــ منهجًا غير معلن لصناعة القرار. فهي التي دفعت البلاد إلى دخول حرب الصحراء في سبعينيات القرن الماضي دون استعداد اقتصادي أو عسكري يوازي حجم المغامرة، وهي نفسها التي أخرجتنا منها لاحقًا تحت ضغط الاستنزاف الداخلي وتغيّر موازين القوة. وبالمنطق ذاته، جاء الانسحاب من وادي الذهب قرارًا سريعًا لإنهاء عبءٍ لم تُحسب كلفته أصلًا عند اتخاذ قرار الانخراط فيه.
لم يكن ذلك مجرد فصل من الماضي، بل تأسيسًا لثقافة سياسية ما تزال آثارها حاضرة حتى اليوم: اتخاذ القرار أولًا، ثم البحث لاحقًا عن مبرراته أو طرق التراجع عنه.
وإذا كانت الحروب تكشف الارتجال في لحظات الأزمات الكبرى، فإن التعيينات الدبلوماسية الأخيرة كشفت أن العقلية نفسها ما تزال تتحكم في إدارة الدولة حتى في أكثر الملفات حساسية وارتباطًا بصورة البلاد في الخارج.
ففي سابقة دبلوماسية صادمة، أُقيل سفير موريتانيا في كندا بعد أسبوع واحد فقط من تقديم أوراق اعتماده رسميًا. أسبوع واحد كان كافيًا لتحويل قرار سيادي صادر باسم الدولة إلى خطأ إداري يستوجب التراجع الفوري. ولم تمضِ سوى فترة وجيزة حتى تكرر المشهد في موسكو، حيث أُقيل سفير موريتانيا في روسيا بعد نحو شهر من تقديم أوراق اعتماده، في خطوة أربكت المتابعين قبل أن تثير تساؤلات الشركاء الدوليين أنفسهم.
في الأعراف الدبلوماسية العالمية، لا يُعد اعتماد السفير إجراءً بروتوكوليًا بسيطًا، بل إعلانًا رسميًا بأن الدولة درست خيارها بعناية، وقررت أن هذا الشخص يمثلها سياسيًا واستراتيجيًا أمام دولة أخرى. ولذلك فإن إقالة سفير بعد أيام أو أسابيع من اعتماده لا تُفسَّر خارج إطارين لا ثالث لهما:
إما أن التعيين تم دون دراسة كافية، أو أن القرار نفسه خضع لمزاج سياسي متقلب لا تحكمه مؤسسات ولا تقييمات مهنية.
وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: إضعاف صورة الدولة.
الدبلوماسية ليست مجالًا للتجريب، ولا ساحةً لتصفية الحسابات الداخلية، ولا وظيفةً تمنح ثم تُسحب وفق تغير المزاج أو توازنات اللحظة. فحين تبدو الدولة وكأنها تغيّر ممثليها الخارجيين بالسرعة نفسها التي تُغيَّر بها القرارات الإدارية اليومية، فإن الرسالة التي تصل إلى الخارج خطيرة: القرار غير مستقر، والرؤية غير واضحة، والمؤسسة غائبة.
الأخطر من ذلك أن هذه الفوضوية لا تقتصر على السلك الدبلوماسي وحده، بل تعكس نمطًا أوسع في التسيير العمومي: تعيينات متسرعة، إصلاحات تُعلن قبل نضجها، مشاريع تُطلق دون دراسات، ثم تُجمّد أو تُلغى دون مساءلة. وهكذا تتحول الدولة إلى إدارة ردود أفعال بدل أن تكون صانعة سياسات.
إن الدول التي تحترم نفسها تخشى التراجع المتكرر عن قراراتها، لأن كلفة التذبذب في السياسة الخارجية أعلى بكثير من كلفة الخطأ نفسه. فقرار التعيين لا يمس الشخص المعين فقط، بل يمس هيبة الدولة، واستقرار علاقاتها، وثقة شركائها في جدية خياراتها.
لقد علمتنا تجربة حرب الصحراء أن القرارات المرتجلة تُكلف الأوطان سنوات من الاستنزاف. وكان يفترض أن يتحول ذلك الدرس إلى قاعدة حكم: لا قرار دون دراسة، ولا تعيين دون تقييم، ولا تراجع دون تفسير مؤسسي واضح.
لكن ما يحدث اليوم يوحي بأن الذاكرة السياسية قصيرة، وأن الارتجالية ما تزال تتحرك بثقة داخل دوائر القرار، تنتقل من ملفٍ سيادي إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى، دون أن تجد من يضع لها حدًا.
وبين حربٍ دخلناها بلا حسابات كافية، وانسحابٍ فرضته الضرورة، وسفراء يُعيَّنون ثم يُقالون قبل أن يستقروا في مكاتبهم، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا:
هل تُدار الدولة برؤية استراتيجية طويلة المدى، أم أننا ما زلنا نحكم بمنطق التجربة والخطأ… ولكن على حساب هيبة الوطن؟







