ثقافة

البيظان: بين التاريخ واللغة وصناعة الهوية

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب

في الفضاء الصحراوي الممتد من جنوب المغرب إلى نهر السنغال، تشكّل مجتمع البيظان بوصفه كيانًا ثقافيًا وتاريخيًا معقّدًا، لا يمكن اختزاله في تعريف عرقي بسيط أو إطار قبلي جامد. إن الحديث عن البيظان هو حديث عن سيرورة طويلة من التفاعل بين الأصول، واللغة، والدين، وأنماط العيش، وعن عملية مستمرة من بناء الهوية وإعادة تعريفها.

● الجذور التاريخية: بين صنهاجة وبني حسان
يرتبط تشكّل مجتمع البيظان تاريخيًا بامتزاج عنصرين رئيسيين: القبائل الأمازيغية الصحراوية، وعلى رأسها اتحادية صنهاجة، والمجموعات العربية الحسانية التي وفدت إلى المجال الصحراوي منذ القرون الوسطى، خاصة قبائل بني حسان.
وقد لعبت دولة المرابطين، التي انطلقت من المجال الموريتاني-المغربي في القرن الحادي عشر، دورًا محوريًا في ترسيخ الإسلام المالكي ونشره في المنطقة، كما أسست لفضاء سياسي وثقافي موحّد نسبياً. غير أن التحول الأكبر جاء لاحقًا مع صعود بني حسان وسيطرتهم العسكرية، وما ترتب على ذلك من إعادة تشكيل للتراتبية الاجتماعية واللغوية.
هكذا لم يكن “البيظان” نتاج لحظة واحدة، بل حصيلة قرون من التداخل بين العربي والأمازيغي والإفريقي، في سياق صحراوي فرض منطقه الخاص على الجميع.

● اللغة الحسانية: وعاء الهوية
إذا كان التاريخ قد رسم الإطار، فإن اللغة كانت الأداة الأبرز في توحيد هذا الكيان. فقد تطورت اللهجة الحسانية – وهي فرع من العربية – لتصبح لغة جامعة لمختلف مكونات المجتمع البيظاني. وهي لهجة تحتفظ ببنية عربية واضحة، لكنها تحمل آثارًا أمازيغية وإفريقية في معجمها ونطقها.
اللغة هنا لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل صارت علامة انتماء. فالتحدث بالحسانية يعني الاندماج في الفضاء الثقافي للبيظان، بغض النظر عن الأصل الإثني الصرف. وهكذا تحوّلت اللغة إلى أداة إدماج اجتماعي، وأحيانًا إلى معيار للتمييز.

● البنية الاجتماعية: القبيلة كإطار ناظم
اعتمد مجتمع البيظان تاريخيًا على نظام قبلي هرمي، توزعت فيه الأدوار بين القبائل المحاربة، والقبائل العلمية (الزوايا)، والفئات الحرفية، إضافة إلى فئات أخرى ارتبطت بعلاقات تبعية تاريخية. غير أن هذه البنية لم تكن ثابتة، بل شهدت تحولات عميقة مع دخول الاستعمار الفرنسي، ثم قيام الدولة الوطنية الحديثة.
وقد تعاملت الإدارة الاستعمارية مع القبيلة باعتبارها وحدة سياسية وإدارية جاهزة، فعملت على تثبيتها وإعادة إنتاجها لخدمة أهداف الضبط والسيطرة، ما ساهم في تجميد بعض البنى الاجتماعية التي كانت أكثر مرونة في السابق.

● الهوية بين الامتداد الصحراوي والدولة الوطنية
مع قيام الدولة الموريتانية الحديثة، وجد البيظان أنفسهم أمام تحدٍ جديد: كيف يمكن الانتقال من هوية قبلية-صحراوية إلى هوية وطنية جامعة؟ هذا السؤال ظل مطروحًا بقوة، خاصة في ظل التعدد العرقي والثقافي داخل موريتانيا.
فالهوية البيظانية اليوم لم تعد مجرد انتماء قبلي أو لغوي، بل أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول المواطنة، والعدالة الاجتماعية، وإعادة قراءة التاريخ المشترك بين مكونات البلد.

● إعادة قراءة المفهوم
إن دراسة البيظان من منظور تاريخي ولساني وأنثروبولوجي تكشف أن الهوية ليست معطى ثابتًا، بل بناء اجتماعي يتشكل عبر الزمن. فهي نتاج صراعات، وتحالفات، وتحولات اقتصادية وثقافية.
واليوم، في ظل التحولات الإقليمية في الساحل والصحراء، ومع تصاعد النقاشات حول الذاكرة والعدالة والاندماج، يبدو أن مفهوم “البيظان” نفسه يحتاج إلى قراءة نقدية جديدة، تتجاوز الرؤية الاختزالية، وتعيد وضعه في سياقه التاريخي الحقيقي: سياق التفاعل والتعدد لا النقاء والانغلاق.
فالهوية، في نهاية المطاف، ليست جدارًا يُغلق، بل جسرًا يُبنى.

زر الذهاب إلى الأعلى