أخبار وطنية

التصعيد بين حركة إيرا ونظام غزواني: صراع مبادئ أم إدارة مصالح؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب

في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين أنصار حركة إيرا والسلطة التي يقودها الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يعود السؤال ذاته: هل نحن أمام مواجهة مبدئية حول العدالة الاجتماعية، أم أمام شدٍّ وجذب سياسي تحكمه حسابات المصالح والتموقع داخل المشهد العام؟
المشهد الحالي لا يمكن قراءته بسطحية “سلطة ضد معارضة”، بل هو أكثر تعقيدًا، حيث تتقاطع فيه ملفات الحقوق التاريخية، والرهانات الانتخابية، وإدارة الشارع، وتوازنات الدولة العميقة.

● أولًا: أخطاء حركة إيرا وتناقضاتها
لا جدال في أن الحركة، بقيادة بيرام ولد الداه اعبيد، لعبت دورًا محوريًا في كسر الصمت حول ملف العبودية ومخلفاتها. غير أن هذا الدور لم يخلُ من إشكالات:
1. الانتقال من الحقوقي إلى السياسي دون إعادة تعريف واضحة
تحولت الحركة من إطار نضالي حقوقي إلى فاعل سياسي انتخابي مؤثر. لكن الخطاب ظل في كثير من الأحيان مزيجًا بين لغة الضحية ولغة المرشح للرئاسة، ما خلق التباسًا لدى جزء من الرأي العام: هل الأولوية لمشروع وطني جامع أم لتمثيل فئة اجتماعية بعينها؟
2. توظيف التصعيد كأداة تعبئة
تعتمد إيرا في بعض مراحلها على خطاب تصعيدي حادّ، يحقق تعبئة سريعة، لكنه قد يعمّق الاستقطاب ويغلق أبواب التهدئة. فحين يتحول كل خلاف إلى “معركة وجود”، يصبح التراجع التكتيكي صعبًا.
3. ازدواجية العلاقة مع السلطة
يرى بعض المراقبين أن الحركة تنتقد النظام بشدة في العلن، لكنها تدخل في لحظات معينة في تفاهمات ظرفية أو تهدئة غير معلنة عندما تقتضي المصلحة السياسية ذلك—سواء لضمان هامش تحرك، أو لتمرير مكاسب محددة. هذا التذبذب بين المواجهة والمرونة يفتح باب الاتهام بـ“البراغماتية الانتقائية”.
ثانيًا: أخطاء النظام وتناقضاته
من جهته، لا يمكن إعفاء السلطة من مسؤولية في تأزيم العلاقة.
1. مقاربة أمنية أكثر من كونها سياسية
في كثير من المحطات، بدا أن النظام يتعامل مع إيرا باعتبارها تحديًا أمنيًا يجب احتواؤه، لا تيارًا سياسيًا له تمثيل اجتماعي حقيقي. هذه المقاربة قد توفر هدوءًا مرحليًا، لكنها لا تعالج جذور الإشكال.
2. خطاب رسمي عن الإنصاف مقابل بطء في النتائج
يؤكد النظام أنه جرّم العبودية وأنشأ محاكم مختصة، غير أن قطاعات واسعة ترى أن وتيرة المعالجة بطيئة، وأن الفجوة الاجتماعية لا تزال قائمة. هنا يظهر التناقض بين الخطاب الإصلاحي والواقع الملموس في الأحياء الهامشية والقرى الفقيرة.
3. انتقائية في الانفتاح السياسي
يسجل مراقبون أن السلطة تنفتح على بعض أطراف المعارضة وتُشركهم في مشاورات، لكنها تُبقي العلاقة مع إيرا في حالة توتر شبه دائم. هذا الانتقاء يخلق انطباعًا بأن معيار القرب أو البعد ليس فقط سياسيًا، بل مرتبط بمدى القدرة على إحداث ضغط شعبي.

● بين الاتفاق والافتراق: منطق المصالح
الطرح الذي يتردد في بعض الأوساط السياسية مفاده أن الطرفين “يتفقان عند المصلحة ويفترقان عندها”. كيف؟
في لحظات الانتخابات: تستفيد إيرا من هامش سياسي يسمح لها بالحشد والمشاركة، بينما تستفيد السلطة من إظهار صورة تعددية.
في لحظات التوتر الاجتماعي: قد تُستخدم لغة التصعيد لتعزيز مواقع تفاوضية، ثم تعود قنوات غير معلنة لخفض السقف.
في ملف الشرعية الدولية: وجود معارضة قوية يمنح النظام صورة انفتاح، بينما يمنح الاعتراف الضمني بإيرا وزنًا سياسيًا داخليًا وخارجيًا.
هذا التداخل لا يعني وجود تحالف، لكنه يكشف أن السياسة ليست دائمًا مواجهة صفرية؛ بل شبكة مصالح متغيرة.

● هل الصراع بنيوي أم ظرفي؟
هناك مستويان للصراع:
مستوى بنيوي: مرتبط بإرث اجتماعي عميق، وهو صراع حول إعادة توزيع الاعتراف والفرص داخل الدولة.
مستوى ظرفي: يتعلق بالانتخابات، والتموقع، وإدارة الشارع.
عندما يختلط البنيوي بالظرفي، يصبح من السهل تحويل القضايا العادلة إلى أوراق سياسية، كما يصبح من السهل على السلطة تأجيل الإصلاحات تحت ذريعة الاستقرار.
نحو معادلة مختلفة
إذا كان التصعيد الحالي يعكس أزمة ثقة، فإن الخروج منها يتطلب:
من إيرا: تطوير خطاب وطني جامع يتجاوز الهوية الاحتجاجية، ويقدم برنامجًا مؤسساتيًا قابلًا للتنفيذ.
من النظام: الانتقال من إدارة الاحتقان إلى معالجته جذريًا عبر سياسات اجتماعية ملموسة وشفافة.
من الطرفين: الفصل بين القضايا الحقوقية والمساومات السياسية، حتى لا تتحول معاناة الفئات الهشة إلى ورقة تفاوض.

التوتر بين حركة إيرا ونظام غزواني ليس مجرد صراع أشخاص، بل تعبير عن تحولات عميقة في المجتمع الموريتاني. كلا الطرفين يحمل جزءًا من الحقيقة، وكلاهما يتحمل نصيبًا من المسؤولية في إبقاء الجرح مفتوحًا.
ويبقى السؤال الأهم:
هل يستطيع الفاعلون السياسيون في موريتانيا تحويل الصراع من إدارة مصالح متبادلة إلى مشروع إصلاح وطني شامل، أم سيظل التوتر يتجدد كلما اقتربت لحظة استحقاق أو اشتد ضغط الشارع؟
إذا رغبت، أستطيع تطوير هذا النص إلى تحقيق استقصائي مدعوم بشهادات وأرقام انتخابية يعزز الطرح التحليلي بالمعطيات الميدانية.

زر الذهاب إلى الأعلى