الاقتصاد

التمويلات الأجنبية… مقبرة المشاريع

محمدعبدالرحمن ول عبدالله 

صحفي إجتماعي وحقوقي

في بلدٍ تتزاحم فيه الخطط التنموية على رفوف الوزارات، وتُعلّق الأحلام الكبيرة على بوابات كل عهد جديد، يبقى سؤال واحد يطارد الرأي العام: لماذا تتحول أغلب التمويلات الأجنبية إلى مقابر مفتوحة للمشاريع بدل أن تكون جسورًا للتنمية؟

على مدى عقدين، تدفقت على موريتانيا عشرات القروض والمنح من شركاء دوليين: البنك الدولي، الاتحاد الأوروبي، الصناديق العربية، والمؤسسات الأممية. أرقام ضخمة، وحملات إعلامية أكبر، ومؤتمرات صحفية تتحدث عن “الإقلاع الاقتصادي” و”محاربة الفقر” و”تحسين الخدمات الأساسية”. لكنّ الواقع ظل يقول شيئًا آخر: مشاريع تبدأ ولا تكتمل، أو تكتمل على الورق، أو تتآكل قبل أن يستفيد منها مواطن واحد.


من الممول إلى المقبرة… أين تضيع المشاريع؟

1. سوء التسيير الإداري:
تُدار كثير من المشاريع عبر لجان مؤقتة تتغير بتغير الوزراء، ويُعيَّن على رأسها أشخاص يعتبرون المنصب “غنيمة سياسية” لا مسؤولية مهنية. وهكذا ينشغل المسؤول الجديد بتغيير الخطط أكثر من انشغاله بتنفيذها.

2. فضاء الفساد المفتوح:
المناقصات تُفصَّل غالبًا على مقاس مقاولين مقربين من جهات نافذة، بينما تُهمل معايير الجودة والشفافية. بعض الشركات تُسلّم مشاريع بمواد رديئة، أو تتركها في منتصف الطريق بعد قبض الدفعات الأولى، فيما تغضّ الجهات الوصية الطرف.

3. الدراسات الوهمية:
جزء كبير من المال يذهب إلى “الدراسات والاستشارات”، حيث تُدفَع عشرات الملايين لمكاتب أجنبية لإنتاج تقارير تُرْكن على الرف، دون أن تنعكس على أرض الواقع. وفي بعض الحالات، تكون الدراسة مجرد نسخ ولصق من مشروع مشابه في بلد آخر.

4. عدم المتابعة والتقييم:
حتى حين تبدأ مشاريع بجدية، فإنها تنهار لاحقًا بسبب غياب الصيانة أو توقف التمويل الثاني أو تغيّر الطاقم المشرف. المراقبة الداخلية ضعيفة، والجهات الممولة غالبًا لا تعود للتحقق من مآلات مشاريعها إلا بعد فوات الأوان.


قصص من أرض الواقع: مشاريع ماتت قبل أن تُولد

  • شبكات مياه افتُتحت خمس مرات في خمس سنوات، لكنها لم تضخّ لترًا واحدًا في منازل القرى.
  • مدارس نموذجية بتمويل ملايين الدولارات، تحولت لخراب بعد ثلاث سنوات فقط لغياب الصيانة.
  • طرق ريفية انطلقت بشعارات كبيرة ثم تآكلت قبل اكتمالها بسبب رداءة الإسفلت واختفاء المشرفين.
  • مشروع لمكافحة الفقر ابتلع نصف ميزانيته على سيارات دفع رباعي ومكاتب مكيفة، فيما بقي المستفيد “المفترض” في قريته ينتظر.

لماذا لا يستفيد المواطن؟

لأن المواطن هو الحلقة الأضعف في كل هذا المسار. فهو لا يعرف حجم التمويلات، ولا محتوى العقود، ولا الجهات المسؤولة عن التنفيذ. بينما تُصاغ الخطط بعيدًا عن حاجاته، وتُوزع الأرباح بين الموظفين والمقاولين.


من المسؤول؟

من السهل اتهام الممولين أو المقاولين، لكن الحقيقة أن البنية الإدارية والسياسية القائمة هي التي تسمح بتحويل التمويلات إلى غنائم. غياب الشفافية، ضعف الرقابة البرلمانية، عدم استقلالية المفتشيات، وغياب العقوبات… كلها عوامل تجعل أي تمويل أجنبي يسير في اتجاه واحد: الضياع.


خلاصة: التمويلات الأجنبية ليست المشكلة… بل طريقة إدارتها

لا أحد يرفض المال الخارجي إذا كان سيُحسّن المدارس والمستشفيات والبنية التحتية. لكن حين يتحول هذا المال إلى صندوق أسود، وتصبح المشاريع مجرد صور على صفحات الوزارات، فإن التمويلات نفسها تفقد معناها… وتصبح فعلاً مقبرة للمشاريع.

ما يحتاجه البلد ليس مزيدًا من القروض، بل منظومة شفافة يعرف من خلالها المواطن أين ذهبت كل أوقية، ومن استفاد، ومن نهب، ومن يتحمل المسؤولية.

هكذا فقط يمكن للتمويلات الأجنبية أن تصبح رافعة للتنمية… لا شاهد قبر فوق مشاريع لم ترَ النور.

زر الذهاب إلى الأعلى