الحرب المفتوحة في الخيج … كيف يعيد الصراع الجاري تشكيل توازنات المنطقة والعالم؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
medabd388@gmail.com
صحفي ، وكاتب ، انواكشوط
في الحروب الحديثة، لا تُقاس النتائج بالضربات الأولى بقدر ما تُقاس بقدرة الأطراف على الصمود وإدارة الزمن. فالحرب التي بدأت بضربات مفاجئة وسريعة، لم تتحول بعد إلى مواجهة محسومة، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والرهانات الجيوسياسية، ما يجعل مسارها مفتوحًا على سيناريوهات متعددة ذات تأثيرات تتجاوز حدود ساحة القتال نفسها.
● حرب استنزاف طويلة أم انفجار إقليمي؟
تشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الصراع يتجه تدريجيًا نحو حرب استنزاف، حيث يسعى كل طرف إلى إنهاك خصمه اقتصاديًا وعسكريًا بدل تحقيق نصر حاسم. هذا النمط من الحروب غالبًا ما يطيل أمد المواجهة، ويزيد من احتمالات توسعها عبر أطراف غير مباشرة.
الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في استمرار العمليات العسكرية، بل في إمكانية تحول المواجهة إلى صراع إقليمي واسع، خاصة مع وجود شبكات تحالفات عسكرية وأمنية تمتد عبر الشرق الأوسط ومناطق نفوذ متنازع عليها. ففي مثل هذه البيئات، يكفي خطأ تكتيكي واحد أو ضربة غير محسوبة لإشعال جبهات جديدة.
● الحرب بالوكالة… السيناريو الأكثر ترجيحًا
يرى عدد من الخبراء أن السيناريو الأقرب يتمثل في انتقال المواجهة إلى حروب بالوكالة، حيث تُدار المعركة عبر فاعلين محليين أو جماعات حليفة بدل المواجهة المباشرة. هذا النموذج يسمح للأطراف الكبرى بالحفاظ على الضغط دون الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنه في المقابل يوسع دائرة عدم الاستقرار ويحول مناطق بأكملها إلى ساحات صراع دائم.
وتاريخ المنطقة يثبت أن الحروب غير المباشرة غالبًا ما تكون أكثر كلفة إنسانيًا، لأنها تطيل النزاعات وتضعف الدول الهشة سياسيًا واقتصاديًا.
● العامل الحاسم: الصمود الداخلي
يبقى التماسك الداخلي الإيراني أحد أهم المتغيرات المؤثرة في مستقبل الحرب. فالحروب الحديثة تُحسم بقدرة المجتمعات على تحمل الضغوط الاقتصادية والعقوبات والتوتر الأمني، وليس فقط بميزان القوة العسكرية.
إذا نجحت طهران في الحفاظ على استقرارها الداخلي، فقد تتمكن من إطالة أمد المواجهة وفرض معادلة ردع جديدة. أما في حال تزايد الضغوط الداخلية، فقد تتجه الأزمة نحو تسويات سياسية أو إعادة رسم قواعد الاشتباك.
● انعكاسات مباشرة على المنطقة
تأثيرات الحرب بدأت بالفعل في الظهور على المستوى الإقليمي، من خلال:
▪︎ ارتفاع المخاطر الأمنية في الممرات البحرية الحيوية.
▪︎ اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
▪︎ تصاعد سباق التسلح لدى دول المنطقة.
▪︎ زيادة هشاشة الدول الواقعة في محيط الصراع.
كما أن استمرار التوتر يهدد بتحويل الشرق الأوسط إلى بؤرة توتر مزمنة، ما ينعكس على الاستقرار السياسي والاقتصادي لدول الجوار، خاصة تلك التي تعاني أصلًا من أزمات داخلية.
● تداعيات عالمية تتجاوز الجغرافيا
لم يعد أي صراع إقليمي معزولًا عن الاقتصاد العالمي. فالحرب الحالية تحمل آثارًا محتملة على:
▪︎ أسعار النفط والغاز العالمية.
▪︎ معدلات التضخم في الأسواق الدولية.
▪︎ أمن التجارة البحرية.
● توازنات القوى بين الشرق والغرب.
ومع دخول قوى دولية على خط الأزمة سياسيًا أو عسكريًا، يصبح الصراع جزءًا من إعادة تشكيل النظام الدولي نفسه، في ظل تنافس متزايد بين القوى الكبرى.
مشهد مفتوح على الاحتمالات
رغم كثافة التحليلات، ما تزال تقييمات الخبراء متباينة، إذ يتغير المشهد بوتيرة متسارعة تبعًا للمواقف الرسمية والتحركات العسكرية الميدانية. وبين سيناريو الاحتواء السياسي أو التصعيد العسكري، تبقى المنطقة والعالم أمام مرحلة انتقالية قد تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات لسنوات قادمة.
في النهاية، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحًا أن هذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين أطراف متحاربة، بل اختبارًا لقدرة النظام الدولي على منع تحول الأزمات الإقليمية إلى صراعات عالمية مفتوحة.







