أخبار دولية

السودان.. حكاية دولة تجاهلت مشاكلها ،فدفعت الثمن!

لم يكن ما آل إليه السودان اليوم نتيجة لحظة عابرة أو أزمة طارئة، بل هو تراكم لمسار طويل من القرارات السياسية الخاطئة، والصراعات الأيديولوجية، والرهانات الضيقة التي أُدير بها بلد واسع ومعقد، متعدد الأعراق والثقافات والأديان. السودان — الذي كان يومًا أكبر بلد في إفريقيا مساحةً، وغنيًّا بالموارد الطبيعية والبشرية — ظل أسير نخبة سياسية وعسكرية لم تُدرك أن إدارة التنوع ليست خيارًا تكميليًا، بل هي أساس بقاء الدولة.

جذور الأزمة: الاستقلال الذي لم يكتمل

منذ لحظة الاستقلال عام 1956، واجه السودان سؤالًا جوهريًا: كيف يُبنى وطن يضم شمالًا عربيًا مسلمًا، وجنوبًا إفريقيًّا مسيحيًّا ووثنيًّا، وشرقًا وغربًا بخصوصيات ثقافية واقتصادية متباينة؟ لكن الإجابة التي سادت كانت الإقصاء لا الشراكة، التعريب والأسلمة القسرية بدل الاعتراف بالتعدد، والانقلابات العسكرية بدل التداول الديمقراطي. وهكذا تحولت كل مرحلة انتقالية إلى حلقة جديدة في مسلسل الصراع.

الانقلابات والأيديولوجيات الضيقة

شهد السودان ثلاثة انقلابات رئيسية (عبود، نميري، البشير)، وكان القاسم المشترك بينها السعي إلى فرض مشروع سياسي لا يعكس الواقع الاجتماعي للبلاد. النميري حاول الجمع بين الاشتراكية والإسلام السياسي ثم انتهى إلى عزلة شعبية، أما البشير فتبنى خطاب الحركة الإسلامية، الذي عمّق الانقسام مع الجنوب ودارفور، وأنتج حربًا أهلية انتهت بانفصال الجنوب عام 2011، لتفقد البلاد ثلث مساحتها ونسبة كبيرة من مواردها النفطية.

تجاهل التنوع: خطيئة مستمرة

على مدار عقود، لم يكن التعامل مع التنوع السوداني قائمًا على إدارة الخلاف، بل على محاولة محوه أو تهميشه. النتيجة كانت أقاليم مهمشة، اقتصاد منهار، نزوح جماعي، وصراعات مسلحة متكررة: من جنوب السودان إلى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق. بدل أن يكون التنوع مصدر قوة، تحوّل إلى وقود للانفجار.

الفرصة الضائعة بعد الثورة

عندما أسقط السودانيون نظام البشير عام 2019، وُلد أمل جديد في بناء دولة مدنية عادلة. لكن الشراكة الهشة بين المدنيين والعسكريين، والصراع بين القوى الثورية نفسها، وغياب الرؤية الواضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، كل ذلك مهّد الطريق لانفجار الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع عام 2023، ليدخل السودان أسوأ أزماته منذ الاستقلال.

شعب يستحق الحياة

رغم كل ذلك، يبقى الشعب السوداني هو نقطة الضوء في هذا المشهد القاتم. شعب أثبت في ثوراته، وفي قدرته على الصمود، أنه يتوق إلى دولة حديثة تُنهي عقود الفشل. لكن بناء هذه الدولة لن يتحقق إلا عبر مراجعة عميقة لمسار السودان كله: إعادة تعريف العقد الاجتماعي، الاعتراف بكل المكونات بلا تمييز، فصل الدين عن الدولة بشكل يحمي الجميع، وإنهاء منطق الحكم بالقوة.

هذا التحليل يمكن تحويله أيضًا إلى تحقيق استقصائي عبر تتبع وثائق ومحطات تاريخية وتصريحات لزعماء تلك المراحل، وربطه بالأرقام عن النزوح، القتل، والانهيار الاقتصادي.

تقرير :

محمدعبدالرحمن عبدالله

كاتب صحفي ،انواكشوط

زر الذهاب إلى الأعلى