مقابلات وتحقيقات

الصحافة الموريتانية بين الانتماء والمهنية: حين تنحرف البوصلة عن الحقيقة

تحقيق :
– محمدعبد الرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي ، أنواكشوط

في مشهد إعلامي يفترض أنه يعيش مرحلة النضج بعد ثلاثة عقود من التعددية والانفتاح، تبدو الصحافة الموريتانية وكأنها ما تزال تبحث عن هويتها المفقودة بين ألوان الولاءات وضجيج المنصات. مهنة وُلدت لتكون صوتًا للناس، تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مرآةٍ لمصالحٍ ضيقة، وأداة لتصفية الحسابات أو ترسيخ الانقسامات.

● بين المهنية والانتماء:

منذ مطلع الألفية، ومع انتشار وسائل الإعلام الخاصة، برزت ظاهرة ما يمكن تسميته بـ”الصحافة الموجّهة”، حيث أصبح الخط التحريري للعديد من المنابر مرهونًا بانتماء المالك أو توجه الممول. تقارير تُفبرك لتهاجم، وأخرى تُخفى لتُجامل، فيما تضيع الحقيقة بين ضغوط المال والسياسة والعِرق.

يقول أحد الصحفيين المخضرمين – فضّل عدم ذكر اسمه – إن «الصحافة الموريتانية لم تفقد حريتها فقط، بل فقدت حيادها، وصارت جزءًا من معارك الهوية والولاء». ويضيف: «كثير من الصحفيين اليوم يكتبون كما يتحدث أنصار القبائل في المقاهي، لا كما يفكر رجال المهنة في غرف التحرير».

● انزياح نحو “الهوية الصحفية الضيقة”:

في السنوات الأخيرة، برز اتجاه خطير يتمثل في التحشيد العرقي والمناطقي داخل الفضاء الإعلامي. صفحات ومنصات تُنسب نفسها للصحافة لكنها تُمارس نوعًا من “التمثيل الهوياتي”، تُناصر لونًا أو جهة باسم العدالة الاجتماعية، لكنها في الواقع تُغذّي الانقسام وتُفرغ الصحافة من جوهرها.
هذا الانزياح جعل المشهد الإعلامي الموريتاني ينقسم إلى “صحافة الموالاة”، و”صحافة المعارضة”، و”صحافة المظلومية”، دون أن يجد المتابع الصحفي المستقل الذي يُقدّس المعلومة فوق الانتماء.

● الرأي بدل الخبر… والانفعال بدل التحليل:

أزمة الصحافة الموريتانية ليست فقط في التمويل أو التكوين، بل في الفهم الخاطئ لوظيفة الصحافة نفسها. فقد تماهت حدود الخبر مع الرأي، وغابت المسافة المهنية بين المعلومة والتعليق.
العديد من المنابر الإخبارية تنشر تقارير مشحونة بالعاطفة أو الكراهية، خالية من التحقق أو التوازن، في غيابٍ شبه كامل لمدونات سلوك أو آليات مساءلة مهنية.
تقول الصحفية أمينة بنت الطالب، صحفية مستقلة : «نحن بحاجة إلى ثورة أخلاقية داخل غرف التحرير قبل أي دعم مالي أو قانوني. لا يمكن أن نبني إعلامًا وطنيًا بأقلام تحارب باسم الانتماء».

● المؤسسات الرسمية.. غياب الرؤية والرقابة:

المفارقة أن الهيئات المكلفة بتقنين الإعلام، مثل السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية (الهابا)، كثيرًا ما اكتفت بدور المراقب الصامت. فرغم عشرات الخروقات المهنية التي تشهدها الساحة يوميًا، نادرًا ما تصدر عقوبات أو بيانات توضيحية تحفظ للمهنة هيبتها وللرأي العام حقه في إعلام نزيه.

● الصحافة الرقمية.. فرصة أم فوضى؟

التحول الرقمي الذي فتح الأبواب أمام آلاف الأصوات، لم يُرافقه أي تأهيل أو ضوابط مهنية. فغدت “الصفحات الإخبارية” ميدانًا مفتوحًا لكل من يملك هاتفًا وشعارًا جذابًا. ومع الوقت، صار المواطن البسيط يجد نفسه أمام سيلٍ من “الأخبار” لا يميّز فيها بين الحقيقة والإشاعة، ولا بين الصحفي والمحرّض.

● نحو ميثاق شرف جديد:

لا خلاص للصحافة الموريتانية إلا بإعادة تعريف المهنة، ووضع ميثاق شرف إعلامي صارم، يُعيد الاعتبار لقيم الموضوعية، ويجرّم التوظيف العنصري والجهوي في العمل الإعلامي. كما يجب أن تُربط التراخيص والدعم العمومي بالتقيد بأخلاقيات المهنة، لا بعدد الإعجابات أو الولاءات.

فالصحافة، كما قال أحد روادها، ليست مهنة من لا مهنة له، بل رسالة من لا يقبل أن يكون بوقًا. إنها عقد شرف مع المجتمع، لا مع القبيلة أو الحزب.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل ستستعيد الصحافة الموريتانية بوصلتها نحو الحقيقة، أم ستظل رهينة الانتماءات الصغيرة التي تبتلع الرسالة الكبرى؟

● تحليل في ضوء الأرقام

ارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل يعطي الإعلام الرقمي مساحة واسعة، لكن هذا الانتشار لا يعني بالضرورة استقلالية أو عدالة في المحتوى— فالسيطرة العرقية والجهوية المذكورة من قبل RSF تُظهر أن التوزيع المحتوى ليس متوازناً.

رغبة الجمهور (86٪ تقريباً) في أن يقوم الإعلام بدور المراقب والناقد تؤكد تطلّعاً مجتمعياً نحو صحافة أكثر مهنية وموضوعية.

رغم تحسن التصنيف الدولي (المرتبة 33)، إلا أن الإشكالات في التمويل، التنوع، واستقلالية وسائل الإعلام تبقى ظاهرة ملموسة — مما يعني أن الانحرافات التي أشرنا إليها في التحقيق ليست مجرد فرضية بل مدعومة بإحصائيات.

التسوية العمالية 860 1صحفياً في الإعلام العمومي خطوة مهمة، لكنها أيضاً تضع تساؤلاً: إلى أي مدى يمكن للصحفيين في المنصات العمومية أن يمارسوا المهنة بحرية إذا كانوا مرتبطين بعقود مرتبطة بالدولة؟

 

زر الذهاب إلى الأعلى