الطوارق بين السلاح والمنفى: تحقيق ثقافي في مأساة شعب الصحراء الكبرى

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وباحث في شؤون الساحل والصحراء
لم تعد قضية الطوارق في شمال مالي مجرد تمرد مسلح يظهر ويختفي في نشرات الأخبار، بل تحولت خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أعقد المآسي الثقافية والسياسية في منطقة الساحل. فخلف صور القوافل والرمال الزرقاء، يعيش شعب كامل صراعًا من أجل البقاء بين دولة مركزية تخشاه، وجماعات مسلحة تستغل هشاشته، وقوى دولية أعادت تشكيل الصحراء وفق حساباتها الأمنية.
هذا التحقيق يحاول قراءة الأزمة الطوارقية لا كملف أمني، بل كقصة ظلم تاريخي بدأ مع رسم الحدود الحديثة ولم ينتهِ بعد.
أولًا: حين قسمت الحدود شعب الصحراء
قبل نشوء الدول الحديثة، كان الطوارق شعبًا عابرًا للصحراء، تمتد مجالات حركته بين مناطق واسعة تشمل شمال مالي والنيجر وجنوب الجزائر وليبيا. لم تكن الصحراء بالنسبة لهم فراغًا جغرافيًا، بل فضاءً حضاريًا تحكمه الأعراف والطرق التجارية القديمة المرتبطة بمدن مثل تمبكتو وغاو.
غير أن الاستعمار الفرنسي، مع بداية القرن العشرين، أعاد رسم المجال الصحراوي وفق منطق إداري لا اجتماعي. وعند استقلال مالي سنة 1960، وجد الطوارق أنفسهم فجأة أقلية داخل دولة زراعية جنوبية تختلف عنهم ثقافيًا واقتصاديًا.
ومنذ تلك اللحظة بدأ التوتر.
ثانيًا: التمرد الأول… وبداية القطيعة
شهدت ستينيات القرن الماضي أول تمرد طوارقي ضد حكومة باماكو، احتجاجًا على التهميش السياسي وغياب التنمية في الشمال. ردّت الدولة بحملة عسكرية قاسية تركت أثرًا عميقًا في الذاكرة الجماعية للطوارق.
تحولت العلاقة بين الدولة وسكان الشمال إلى علاقة شك دائم:
الدولة ترى في الطوارق نزعة انفصالية،
والطوارق يرون في الدولة قوة مفروضة عليهم.
ومنذ ذلك التاريخ، تكررت الانتفاضات أعوام 1990 و2006 و2012، دون معالجة جذرية للأسباب الحقيقية للصراع.
ثالثًا: الجفاف والمنفى… مأساة غير مرئية
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ضرب الجفاف الكبير منطقة الساحل، فانهارت المنظومة الاقتصادية البدوية القائمة على الرعي والترحال. آلاف الطوارق اضطروا للهجرة نحو الجزائر وليبيا.
هناك، وجد شباب الطوارق أنفسهم داخل معسكرات عسكرية أو في اقتصاد الهجرة الهش، وهو ما ساهم لاحقًا في عسكرة القضية الطوارقية.
لقد لم يعد التمرد خيارًا سياسيًا فقط، بل نتيجة مباشرة لانهيار نمط حياة كامل.
رابعًا: سقوط ليبيا وانفجار الصحراء
شكّل سقوط نظام معمر القذافي سنة 2011 نقطة تحول حاسمة. فقد عاد آلاف المقاتلين الطوارق من ليبيا بأسلحة ثقيلة وخبرة عسكرية، ما أدى إلى اندلاع تمرد واسع سنة 2012 انتهى بانهيار سلطة الدولة في شمال مالي.
لكن الفراغ الذي طالب الطوارق بملئه سياسيًا، ملأته سريعًا جماعات جهادية عابرة للحدود.
وهنا بدأت المأساة الكبرى.
خامسًا: بين الإرهاب والهوية الضائعة
مع صعود التنظيمات المتشددة في الساحل، اختلطت الصورة الدولية:
أصبح الشمال المالي يُختزل في الإرهاب،
وأصبح الطوارقي يُنظر إليه أمنيًا قبل أن يُفهم اجتماعيًا.
دخلت فرنسا عسكريًا عبر عملية عملية سيرفال ثم عملية برخان، تحت شعار مكافحة الإرهاب. ورغم استعادة المدن الكبرى، لم تُحل جذور الأزمة.
بل إن كثيرًا من الطوارق وجدوا أنفسهم بين ثلاث سلطات متنافسة:
● الجيش المالي،
● الجماعات المسلحة،
● القوات الأجنبية.
وفي كل مرة، كان المدني الصحراوي هو الخاسر الأكبر.
سادسًا: الأدب الطوارقي كشهادة تاريخية
وسط هذا العنف، برز صوت الكاتب الطوارقي إنتاغريست الأنصاري، الذي تحولت كتاباته إلى أرشيف إنساني لذاكرة مهددة بالاختفاء.
في أعماله، لا تظهر الحرب كمعركة، بل كصمت:
آبار مهجورة، مخيمات خالية، وشعب يشعر أنه أصبح غريبًا في أرضه.
إن الأدب هنا يؤدي وظيفة التحقيق التاريخي؛ فهو يوثق ما لا تسجله التقارير العسكرية: الإهانة اليومية، فقدان المجال الحيوي، وتحول البدوي إلى لاجئ داخل وطنه.
سابعًا: فشل الدولة أم فشل النموذج؟
تكشف التجربة المالية أزمة أعمق في دول الساحل: نموذج الدولة المركزية المستورد من أوروبا لم يستطع استيعاب المجتمعات الرحّل.
فالدولة الحديثة تقوم على الحدود الثابتة،
بينما تقوم الثقافة الطوارقية على الحركة.
هذا التناقض البنيوي جعل الصراع شبه دائم، لأن الحلول الأمنية عالجت النتائج لا الأسباب.
ثامنًا: نحو صحراء بلا صوت
اليوم، يعيش شمال مالي واحدة من أخطر مراحل عدم الاستقرار، مع انسحاب القوات الأجنبية وتصاعد نفوذ الفاعلين المسلحين. وبين هذه التحولات، يواجه الطوارق خطرين متزامنين:
▪︎ فقدان الأمن،
وفقدان الهوية الثقافية.
فحين تختفي القوافل، لا يختفي اقتصاد فقط، بل تختفي لغة وحكمة ونمط معرفة عمره قرون.
● العدالة المؤجلة لشعب الرمال
قضية الطوارق ليست حربًا انفصالية كما تُقدَّم غالبًا، بل صراع اعتراف: اعتراف بالحق في الاختلاف الثقافي، وفي التنمية المتوازنة، وفي المشاركة السياسية.
لقد كتب الطوارق تاريخهم على الرمل، لكن السياسات الحديثة حاولت تثبيته بالقوة على الخرائط. وبين الرمل والحدود، ما يزال شعب كامل يبحث عن مكان يعترف به دون أن يُجبر على التخلي عن ذاته.
ربما لهذا يواصل البدوي الكتابة…
لأن الصحراء، وإن صمتت طويلًا، لا تنسى.







