القبيلة في المرآة الاستعمارية: حين تحوّلت المعرفة إلى أداة حكم

محمد عبدالرحمن ول عبدالله
صحفي ، وكاتب
لم تكن القبيلة، في المدوّنة الاستعمارية الفرنسية عن الصحراء والساحل، مجرّد موضوع دراسة أنثروبولوجية؛ بل كانت ملفًا إداريًا مفتوحًا، وجغرافيا اجتماعية قابلة لإعادة الترتيب. فمنذ بدايات التوغّل الفرنسي في غرب إفريقيا، سعى إداريون-باحثون إلى إنتاج معرفة دقيقة بالبُنى القبلية، ليس بدافع الفضول العلمي وحده، بل بوصفها شرطًا لإحكام السيطرة.
في كتابه Études sur l’Islam et les tribus du Soudan، قدّم Paul Marty صورة تفصيلية عن قبائل المنطقة، شملت الأنساب، وعدد الخيام، ومسارات الترحال، ومستوى الثروة الحيوانية، وحتى تقدير “الزكاة” بالفرنك. تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى جهدًا توثيقيًا محايدًا؛ غير أن اللغة المصاحبة لها — بما تحمله من أحكام قيمية وتوصيفات تبسيطية — تكشف عن خلفية سلطوية ترى المجتمع المحلي موضوعًا للإدارة لا شريكًا في الفهم.
● القبيلة كوحدة ضبط
تعاملت الكتابات الاستعمارية مع القبيلة باعتبارها وحدة يمكن تفكيكها وإعادة تركيبها عبر الزعامة. الشيخ أو الشريف لم يكن مجرد رمز اجتماعي؛ بل حلقة وصل إدارية. جرى تثبيت بعض الزعامات، وتهميش أخرى، بما يخدم الاستقرار الأمني وجباية الضرائب.
وهكذا تحوّلت الخيمة إلى رقم، والفرع العشائري إلى خانة في جدول، والنسب إلى أداة تصنيف.
هذا المنطق لم يكن معزولًا عن مشروع أوسع قاده إداريون مثل Xavier Coppolani، الذي أدرك مبكرًا أن “فهم” البنية الدينية والقبلية شرط لنجاح التغلغل السياسي. المعرفة هنا لم تكن خارج السلطة؛ بل جزءًا من بنيتها.
● كيف استخدمت الإدارة الاستعمارية القبيلة؟
لم تكتفِ الإدارة الفرنسية بوصف القبائل، بل أعادت توظيفها كأداة حكم يومي. ويمكن رصد ذلك في عدة مستويات:
1. الجباية عبر الوساطة القبلية
اعتمدت الإدارة على شيوخ القبائل في جمع الضرائب (المكوس أو ما سُمّي إداريًا “الزكاة”)، ما حوّل الشيخ إلى وسيط مالي بين الدولة الاستعمارية ومجتمعه. هذه الوساطة منحت بعض الزعامات نفوذًا إضافيًا، وأضعفت أخرى.
2. الضبط الأمني وتحييد المقاومة
في المناطق التي عرفت مقاومة مسلحة أو رفضًا للوجود الفرنسي، استُخدمت الانقسامات القبلية لاحتواء التمرد. دعمُ فرعٍ ضد آخر، أو ترجيحُ كفةِ زعيمٍ منافس، كان وسيلة لخلق توازنات تمنع تشكّل جبهة موحّدة.
3. إعادة رسم المجال الترابي
جرى تثبيت مجالات تنقّل بعض القبائل وتقييد أخرى، عبر خرائط إدارية جديدة لا تعكس دائمًا المجال التقليدي للرعي والترحال. بذلك أُعيد تشكيل الجغرافيا الاجتماعية بما يخدم أولويات الاستقرار الاستعماري.
4. صناعة “النخبة المحلية”
من خلال الاعتراف الرسمي ببعض الشيوخ أو “الشرفاء”، ومنحهم امتيازات رمزية أو مادية، أُنتجت طبقة وسيطة تدين ببقائها للسلطة الاستعمارية. هذه النخبة لعبت دورًا مزدوجًا: تمثيل المجتمع أمام الإدارة، وتمثيل الإدارة داخل المجتمع.
5 – تجنيد بعض المقاتلين والمخبرين لصالح الإدارة الاستعمارية
● خطاب التراتبية وإعادة إنتاج الفوارق
اعتمدت تلك النصوص على تقسيمات حادّة: “محاربون” و“زوايا”، “شرفاء” و“عامة”، “عرب” و“سودان”. قُدِّمت هذه الفئات كما لو كانت ثابتة وأزلية، رغم أن الواقع التاريخي يُظهر سيولة أكبر وتحالفات متبدّلة.
بعض الباحثين-الإداريين مثل Maurice Delafosse أسهموا في ترسيخ هذا المنظور التصنيفي الذي يجمّد الهوية داخل قوالب جامدة.
إن تثبيت هذه الفوارق لم يكن توصيفًا بريئًا؛ بل وفّر أرضية لسياسة “فرّق تسد”، حيث تُدار الاختلافات بدل أن تُفهم في سياقها الديناميكي.
● بين النسب الشريف والبراغماتية السياسية
احتلّ “النسب الشريف” موقعًا خاصًا في السرد الاستعماري. فادعاء الانحدار من آل البيت اعتُبر عنصرًا مؤثرًا في الشرعية الدينية والاجتماعية. غير أن الإدارة الفرنسية تعاملت معه ببراغماتية واضحة: تدعم بعض الشرفاء حين يخدمون الاستقرار، وتحدّ من نفوذهم إن بدا مصدر قلق.
بهذا المعنى، لم يكن الدين خارج لعبة السلطة، بل أُدرج ضمن حساباتها.
● اللغة… حين تكشف الموقف
تتضمن بعض النصوص أوصافًا مثل “بدائيين” أو “متأخرين فكريًا” أو “شديدي الارتياب”. هذه اللغة لا تعكس واقعًا موضوعيًا بقدر ما تعكس تمركزًا ذاتيًا يعتبر أوروبا معيار التقدّم، ويقيس الآخرين على سلّم أحادي.
إنها لغة تُنتج صورة القبيلة ككيان ساكن، مغلق، يحتاج إلى “تهذيب” أو “تحديث” تحت الوصاية.
● قراءة معاصرة: بين المصدر والنقد
اليوم، لا يمكن إهمال تلك الكتابات؛ فهي تحتوي على معطيات مهمة حول البنية الاجتماعية ومسارات الترحال والاقتصاد الرعوي في مطلع القرن العشرين. لكنها في الوقت نفسه وثائق خطابية تكشف منطق الهيمنة.
القبيلة، كما تُظهر دراسات حديثة، لم تكن بنية جامدة، بل شبكة علاقات مرنة، تتغير بالتحالفات والهجرة والتجارة والتعليم الديني. وما بدا في النصوص الاستعمارية “ثباتًا”، كان في الواقع لحظة من تاريخ أطول وأكثر تعقيدًا.
● استعادة الصوت الغائب
المفارقة أن القبائل كُتبت عنها آلاف الصفحات، لكن نادرًا ما كُتب تاريخها بصوتها.
إعادة قراءة الأرشيف الاستعماري اليوم ليست تمرينًا في جلد الذات، بل خطوة لاستعادة السرد من الداخل:
▪︎ تفكيك الخطاب التصنيفي.
▪︎فهم كيف استُخدمت البنية القبلية أداةً للحكم.
▪︎ إعادة الاعتبار للدينامية الاجتماعية التي قاومت التجميد الإداري.
إن صورة القبيلة في المرآة الاستعمارية تكشف قدرًا كبيرًا عن نظرة المستعمِر بقدر ما تكشف عن المجتمع نفسه. وربما آن الأوان لأن تُكتب القبيلة لا بوصفها “موضوع إدارة”، بل فاعلًا تاريخيًا صاغ مساراته، وتكيّف مع الضغوط، وواجه — بمرونةٍ وصمتٍ أحيانًا — زمن السيطرة.







