المواطن : محارب منهك،يحدق في الأفق
قد يبدو مشهد المحارب المنهك الذي يحدّق في الأفق مجرد صورة أدبية، لكنه في الحقيقة انعكاسٌ صارخ لواقع المواطن الموريتاني اليوم. فمنذ عقود، يخوض هذا الشعب معارك متواصلة ضد الفقر، البطالة، الفساد، التهميش، ورداءة الخدمات العمومية، دون أن يكون له رأي في اختيار ساحات تلك المعارك ولا أدواتها.
على كاهل المواطن الموريتاني تنوء ذاكرةٌ مثقلة بالخيبات: وعود انتخابية تحوّلت إلى خطابات جوفاء، إصلاحات معلنة انتهت إلى ترقيعات مؤقتة، واستراتيجيات كبرى لم تغادر الورق. ومع كل مأمورية جديدة، يتكرر المشهد ذاته: شعارات ضخمة عن التنمية ومحاربة الفساد، سرعان ما تتحوّل إلى صفقات تُبرم في الخفاء، وتوزيعات ريعية تُعيد إنتاج نفس الطبقة المتحكمة في مفاصل الدولة.
الأفق الذي يحدّق فيه هذا المحارب – أي المواطن – لم يعد مجرد أملٍ غامض بين السماء والأرض، بل صار سؤالًا وجوديًا: هل ستبقى الثروات الوطنية مرهونة باتفاقيات مجحفة مع شركات أجنبية، بينما يظل المواطن عاجزًا عن توفير قوت يومه؟ هل ستظل العدالة الاجتماعية حبيسة خطاب رسمي جميل، بينما الواقع يكرّس الفوارق والزبونية؟
لقد تحوّل المواطن الموريتاني إلى محارب منهك، ليس لأنه خاض معارك حقيقية ضد الفساد وسوء التسيير، بل لأنه أُقحم فيها دون سلاح ولا حماية. كل جرحٍ في جسده هو شاهد على جولة خاسرة: من التعليم الذي لم يُصلح، إلى الصحة التي تُركت فريسة للإهمال، إلى ثروات البحر والبر التي تُنهب في وضح النهار.
ومع ذلك، يظلّ هذا الشعب يحدّق في الأفق، يبحث عن وطنٍ لم يعد حاضرًا في سياسات حكامه، وعن حلمٍ انكسر تحت وطأة المأموريات المتعاقبة. لكن السؤال الملحّ: هل ستكون النظرة القادمة بداية معركةٍ حقيقية تُعيد للوطن مكانه على الخريطة؟ أم أن الإنهاك سيتحوّل إلى استسلام؟
الإتحاد