أخبار دولية

الوضع في مالي وتأثيراته الإقليمية… قراءة تحليلية

محمد عبدالرحمن ولد عبد الله

– صحفي ومحلل سياسي

أنواكشوط . موريتانيا


■ مقدمة: مالي… البؤرة التي تعيد تشكيل غرب أفريقيا

لم تعد الأزمة في مالي شأنا داخليًا لدولة تواجه تمردًا مسلحًا أو هشاشة سياسية فحسب، بل تحولت إلى مركز زلزال يعيد رسم خرائط النفوذ والأمن والتحالفات في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل بأكملها. فخروج القوات الأجنبية، وتصاعد العمليات المسلحة، وتحول المجلس العسكري نحو تحالفات جديدة، جميعها أسست لمرحلة مضطربة تمتد آثارها من موريتانيا غربًا إلى النيجر وتشاد جنوبًا.


أولًا: الأزمة الداخلية في مالي… عقدة مركبة

1. انهيار اتفاق الجزائر (2015)

بعد سنوات من التعثر، انتهى عمليًا اتفاق السلم والمصالحة الموقع في الجزائر. انسحبت المجموعات الأزوادية من آلياته، واستعاد الجيش المالي السيطرة على مناطق واسعة، ما فجّر موجة جديدة من المواجهات. انهيار الاتفاق فتح الباب أمام عودة مناخ ما قبل 2012: توترات عرقية، صراع على السلطة المحلية، وانعدام الثقة بين الشمال والجنوب.

2. تمدد الجماعات المسلحة

تزايد نفوذ “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” والتنظيمات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة وداعش في الشمال والوسط. هذه الجماعات استغلت انسحاب “برخان” والقوات الأممية، وتمددت إلى مناطق كانت سابقًا تحت سيطرة الدولة.
وباتت نحو 70% من العمليات المسلحة في الساحل تُسجَّل داخل الأراضي المالية.

3. الجيش والمرتزقة… معادلة جديدة

استعان النظام العسكري في باماكو بقوات من “فاغنر”، ما أسفر عن تغيير ميزان القوة في بعض المناطق. لكن هذا التحالف أدّى أيضًا إلى توتر مالي مع شركائها التقليديين في الغرب، وفرض عزلة سياسية واقتصادية.


ثانيًا: التأثيرات الأمنية الإقليمية

1. موريتانيا… حدود طويلة وتحديات ثقيلة

رغم أن موريتانيا حافظت على استقرار نسبي منذ 2011، فإن التطورات الأخيرة تهدد هذا التوازن.

  • عودة التوتر في شمال مالي ووسطها يضع ضغوطًا على الحدود التي تمتد أكثر من 2,200 كم.
  • احتمالية تدفق لاجئين جدد من تمبكتو وكيدال.
  • تنامي عمليات شبكات تهريب المخدرات والسلاح والوقود.
  • خطر تسلل عناصر متطرفة إلى الأراضي الموريتانية، خصوصًا مع ضعف الرقابة المالية.

2. النيجر وبوركينا فاسو… التحالفات العسكرية الجديدة

التحالف العسكري بين الأنظمة الثلاث (مالي – النيجر – بوركينا فاسو) عبر “تحالف دول الساحل” يعكس إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي خارج الإطار الفرنسي والإقليمي التقليدي (الإيكواس).
هذا التحالف يعزز نهجًا جديدًا يعتمد على:

  • استبدال الشراكة الغربية بتحالفات مع روسيا.
  • تشديد السياسات الأمنية بدل المسار التفاوضي.
  • خلق تكتل سياسي يرفض الضغوط الديمقراطية.

3. الجزائر… القلق من حدود مشتعلة

الجزائر التي لعبت دور الوسيط الرئيسي في اتفاق 2015، تشعر اليوم بأن ما حذرت منه قد وقع: انهيار الاتفاق وتهديد حدودها الجنوبية.

  • خطر انتقال السلاح.
  • خروج مناطق مالي الشمالية من أي سيطرة مركزية.
  • تراجع النفوذ الجزائري لصالح موسكو.

4. السنغال وغينيا… مخاوف من تمدد عدوى الانقلابات

تتابع داكار وكوناكري بقلق موجة الانقلابات في الساحل، وتراجع دور “الإيكواس”.
مالي أصبحت نموذجًا يُخشى أن تلجأ إليه شعوب أو جيوش في المنطقة.


ثالثًا: التأثيرات السياسية والاستراتيجية

1. تراجع دور فرنسا وصعود روسيا

مالي كانت قاعدة النفوذ الفرنسي في الساحل.
اليوم، تتراجع فرنسا بشكل غير مسبوق، بينما تتمدد روسيا – عبر “فاغنر” سابقًا و”أفريكا كور” حاليًا – في مليارا النفوذ:

  • التدريب والدعم العسكري.
  • النفوذ السياسي.
  • عقود التعدين والذهب.

هذا التحول يغيّر اتجاه المنطقة بأكملها.

2. فشل الإيكواس وتآكل الثقة في الإقليم

عجز الإيكواس عن فرض عقوبات فعالة أو استعادة الحكم المدني في مالي والنيجر وبوركينا فاسو.
أدى هذا إلى:

  • تآكل مصداقية المنظمة.
  • ظهور تحالفات بديلة.
  • تعزيز خطاب “السيادة” الذي تتبناه الأنظمة العسكرية.

3. تعقيد المسار الانتقالي في مالي

رغم الوعود المتكررة بالعودة للحكم المدني، فإن المجلس العسكري يواصل تأجيل المواعيد الانتخابية.
وهذا يُعمّق العزلة الدولية ويجعل مستقبل الدولة مفتوحًا على عدة سيناريوهات:

  • رسوخ حكم عسكري طويل.
  • تجدد تمرد مسلح واسع.
  • انهيار الدولة المركزية.

رابعًا: المستقبل… إلى أين تتجه مالي والمنطقة؟

● السيناريو الأول: التصعيد العسكري والتمدد المسلح

إذا استمر غياب الحل السياسي، ستتوسع سيطرة الجماعات المتطرفة، خاصة في الشمال والوسط.
موريتانيا والنيجر ستكونان الأكثر تأثرًا.

● السيناريو الثاني: حوار جديد برعاية إقليمية

قد تضطر باماكو لفتح باب التفاوض مع حركات أزواد ومع وساطات جديدة قد تشمل الجزائر وقطر.
لكن الجيش يرفض حتى الآن أي نقاش حول “الحكم الذاتي”.

● السيناريو الثالث: تحالف روسي–عسكري طويل الأمد

استمرار التعاون مع موسكو سيعيد تشكيل أمن الساحل، لكنه لن يحل جذور الأزمة: التهميش، الفقر، غياب الدولة، وطبيعة الصراع الهوياتي.


● خلاصة

الوضع في مالي ليس مجرد أزمة داخلية، بل عقدة استراتيجية تمس أمن موريتانيا والجزائر والنيجر وبوركينا فاسو، وتعيد تشكيل ميزان القوى في غرب أفريقيا.
وغياب رؤية سياسية شاملة سيجعل المنطقة عرضة لمزيد من التفكك والعنف والفراغات الأمنية التي تتغذى عليها الجماعات المتطرفة.

إن مالي اليوم مرآة تعكس هشاشة الساحل بالكامل… وما لم يتحرك الإقليم بجدية، فإن ما يحدث في مالي لن يظل داخل حدودها، بل سيطرق أبواب الجميع دون استثناء.

 

زر الذهاب إلى الأعلى