أخبار دولية

انقلاب بنين… قراءة في خلفيات المشهد المعقّد

   تقرير: محمدعبدالرحمن ول عبدالله 

   ▪︎ صحفي  متابع للشؤون السياسية في دول الساحل 

 

شهدت جمهورية بنين واحدة من أكثر المحاولات الانقلابية إثارة للجدل في غرب أفريقيا خلال السنوات الأخيرة. ورغم محدودية تحرك الانقلابيين وسرعة احتوائه، إلا أنّ ما جرى كشف طبيعة البنية السياسية في البلاد وحجم تشابكها مع المصالح الإقليمية والدولية، وخاصة الفرنسية – النيجيرية. فيما يلي قراءة معمقة لأبرز العوامل التي جعلت الانقلاب “بهذه الطريقة” تحديداً، وفق معطيات يجهلها كثير من المتابعين .

1. رئيسٌ ليس عادياً… مركز ثقل داخل منظومة “فرانس أفريك”

باتريس تالون ليس مجرد رئيسٍ لبلد صغير في غرب أفريقيا؛ الرجل يُعدّ أحد أهم رموز شبكة “فرانس أفريك” التي حافظت لعقود على نفوذ باريس السياسي والاقتصادي في القارة.
وبالتالي فإن إسقاطه لا يتعلق فقط بإرادة داخلية، بل يتصل مباشرةً بنظام مصالح ممتد عابَر للحدود، يجعل أي محاولة لإزاحته شديدة التعقيد ومحفوفة بتدخلات خارجية.

2. باتريس تالون… رجل فرنسا والغرب بامتياز

الرئيس البنيني شخصية صُنعت سياسياً ومالياً في بيئة غربية، وراكم تأثيره عبر شبكة علاقات دولية تشمل فرنسا، ودوائر المال الأوروبية، وشخصيات نافذة في نيجيريا.
يحظى تالون بثقة باريس، ويُنظر إليه غربياً كـ”ضامن” لمصالحهم في بلد يشكل بوابة جيوسياسية مهمة.
لذلك، فإن القوى الإقليمية والدولية المحيطة ببنين لا تقبل بسهولة بسقوطه دون ضمان بديل يواصل النهج نفسه.

ومن هنا جاء تحرك نيجيريا – بتوجيه من الإيكواس – بشكل عاجل وغير مسبوق، في خطوة قرأها كثيرون بوصفها حماية للمصالح المشتركة أكثر من كونها دفاعاً عن الديمقراطية.

3. بنين… آخر خطوط الدفاع عن الوجود الفرنسي في الساحل

بعد الخسائر الكبرى التي مُنيت بها فرنسا في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أصبحت بنين فعلياً “نقطة الارتكاز الأخيرة” للوجود الأمني والعسكري الفرنسي في الساحل.
وسقوط تالون يعني عملياً أن باريس ستفقد آخر موطئ قدم استراتيجي لها في غرب أفريقيا، وهو ما يفسّر حساسية الموقف وتسارع ردود الفعل الدولية.

4. حزب يحكم كشبكة اقتصادية… لا كقوة سياسية شعبية

الحزب الحاكم في بنين ليس كتلة شعبية تقليدية، بل تحالف نخب مالية عابرة للحدود، تضم رجال أعمال يمتلكون جنسيات مزدوجة وشبكات نفوذ واسعة.
هذه النخبة تسيطر على مفاصل الاقتصاد والمؤسسات، وتحكم البلد بمنطق “الإدارة الاقتصادية” لا بمنطق السيادة الشعبية، ما يجعل أي تغيير سياسي تهديداً مباشراً لمصالحها.

5. أين الشارع البنيني؟ صدمة… لا دعم

غياب التفاعل الشعبي الواسع خلال المحاولة الانقلابية لا يعني أن الشارع مؤيد للنظام.
الواقع أن المواطنين كانوا أمام حالة صدمة، مع ضعف التنظيم وغياب القوى الشبابية القادرة على تحويل الغضب المتراكم إلى فعل سياسي منظم.
لكن المزاج العام آخذ في التغيّر، ووعي الناس بسوء إدارة الثروات واستباحة السيادة الوطنية يتزايد مع كل أزمة.

●  التغيير قادم… والبلد فوق فوهة تحولات

ما جرى في بنين لم يكن انقلاباً تقليدياً، بل اختباراً لمعادلة النفوذ في غرب أفريقيا.
ورغم فشل المحاولة، فإنّ المؤشرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية توحي بأنّ موجة التحول قادمة، وأن النظام القائم يعيش مرحلة احتقان تتفاقم مع تراجع الشرعية الشعبية واتساع الفجوة بين السلطة والنخب المالية من جهة، والشارع البنيني من جهة أخرى.

● الأسئلة الكبرى ما تزال مفتوحة:
هل ستستطيع باريس ونيجيريا الحفاظ على “الرجل الموثوق” طويلاً؟
وماذا سيحدث عندما يتشكل بديل قادر على مواجهة شبكة النفوذ القديمة؟

الأيام القادمة وحدها ستجيب… لكن محرك التغيير بدأ بالتحرك فعلاً.

زر الذهاب إلى الأعلى