باسكنو.. كواليس زيارة بطابع كرنفالي وظلال سياسية ثقيلة

باسكنو ، خاص الإتحاد
في مدينة باسكنو، التي يناهز عدد سكانها 130 ألف نسمة، بدت الزيارة الرئاسية الأخيرة أقرب إلى عرض كرنفالي كبير. فقد احتشد الأهالي عند نقاط الاستقبال، بعضهم على ظهور العيس والخيول، في مشهد يعكس خليطًا من الحفاوة الشعبية والرمزية المحلية التي لا تزال حاضرة بقوة في هذه المنطقة الهشة جغرافيًا وثقافيًا وسياسيًا.
ورغم أن مثل هذه الزيارات تُسوّق عادة باعتبارها فرصة للتقارب بين السلطة والمواطنين، إلا أن كواليسها أظهرت مشاهد أكثر تعبيرًا عن واقع الاختلالات في الإدارة المحلية وطبيعة العلاقة بين المركز والهامش. فقد تم منع حننا هنون من الوصول إلى مدرج المطار لاستقبال الرئيس، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات داخل الأوساط الاجتماعية والسياسية في باسكنو.
ولم يتوقف الأمر هناك. ففي الاجتماع المقرر مع الأطر، قرر الوالي وضع “فلتر بشري” لا يسمح بدخول أكثر من ثلاثة أشخاص لكل نائب، وهو ما رفضه النائب محمد محمود حننا، معتبرًا القرار تقييدًا غير مبرر لأنشطة منتخبي الشعب داخل دائرة تعتبر من أكبر دوائر الحوض الشرقي وأشدها حاجة لإيصال صوتها.
أما الغضب الشعبي، فكان موجّهًا — وبشكل مباشر — إلى مدير الديوان الرئاسي الناني اشروقه، الذي حمّله الكثيرون مسؤولية ما وصفوه بسوء التنظيم وإدارة المشهد بطريقة تُقصي الفاعلين المحليين وتفتح الباب لاتهامات متجددة بنزعة احتكار النفوذ داخل دوائر القرار.
ومع ذلك، كانت هناك صورة أخرى لافتة أراد البعض التقاطها: صفوف طويلة من السيارات رباعية الدفع والمركبات الفاخرة التي شقت طريقها نحو موقع الاستقبال. مشهد يقول الكثير عن الطفرة الذهبية التي عرفتها المنطقة، وعن تحولات اقتصادية واجتماعية لم تُترجم بعد إلى بنى تحتية أو خدمات عامة تليق بحجم التحديات.
أما الحفاوة الكبيرة التي قوبل بها الرئيس غزواني، فقد رأى فيها مراقبون للشأن السياسي المحلي صدى واضحًا للاستقبال الذي حظي به الرئيس الأسبق معاوية ولد الطائع في المنطقة خلال تسعينيات القرن الماضي. تشبيه قد يبدو بسيطًا، لكنه يفتح الباب أمام سؤال جوهري: هل تغيّر شيء جوهري في العلاقة بين السلطة والمواطن خلال ثلاثة عقود، أم أن المشهد يعيد إنتاج نفسه كل مرة بأسماء مختلفة؟
زيارة باسكنو كانت محاولة جديدة لإعادة صياغة حضور الدولة في أقصى الشرق، لكنها كشفت أيضًا هشاشة المقاربة الرسمية في التعامل مع مناطق تعيش على تخوم الفقر والتهميش، وتحتاج قبل المواكب والاحتفالات إلى الإنصات العميق، والاحترام الكامل لفاعليها المحليين، وتقديم الخدمات الأساسية قبل استدعاء الولاءات السياسية.
وفي بلد يتقاطع فيه الاضطراب الإقليمي مع ضعف التنمية الداخلية، تبدو كل زيارة رئاسية اختبارًا مزدوجًا: هل ستعالج السلطة أسباب التململ الشعبي، أم ستكتفي بتجميل الواجهة وترك الأسئلة معلقة في هواء باسكنو الساخن؟







