أخبار وطنية

بعثة متأخرة إلى محظرة بكرن تكشف اختلالات خطيرة… والوزارة في قفص الاتهام بسبب ضعف الرقابة وغياب الدعم

وصلت بعثة من وزارة الشؤون الإسلامية مساء أمس إلى محظرة بكرن، في تحرك متأخر جاء بعد تصاعد الجدل حول أوضاع التلاميذ داخل هذه المؤسسة التقليدية. وقد باشرت البعثة عملية تفتيش ميداني شملت التحقيق في ظروف الإقامة والتدريس، والاطلاع على الوضعية العامة للمحظرة، لتسجل جملة من الخروقات المقلقة، أبرزها الاكتظاظ الكبير للتلاميذ من مختلف الأعمار، ووجود حالات تعنيف وسوء معاملة يتعرض لها بعضهم، وهو ما يدفع عدداً منهم إلى الهروب في ظروف خطرة، خاصة أن المحظرة تقع على بُعد نحو 70 كيلومتراً من طريق الأمل، وسط منطقة معزولة وخالية من العمران، بما يعرّض الأطفال لمخاطر حقيقية قد تصل حدّ الهلاك.
وفي ما يتعلق بوفاة الطفل – رحمه الله – أفادت المعطيات التي توصلت إليها البعثة أن سبب الوفاة يعود إلى مرض ألمّ بالطفل، مع تسجيل تفريط واضح من طرف شيخ المحظرة تمثل في عدم إبلاغ ذوي الطفل بحالته الصحية في الوقت المناسب، وعدم اتخاذ إجراءات عاجلة لمتابعة وضعه الصحي. كما لم يتقدم أولياء الطفل بأي شكوى رسمية ضد شيخ المحظرة، ولم تُسجل آثار تعذيب أو ضرب على جسد الطفل وفق ما خلص إليه التحقيق.
وقد وجهت بعثة الوزارة إنذاراً أخيراً لشيخ المحظرة بضرورة الكف عن الممارسات المخالفة للقانون وللنهج التربوي المعروف للمحاظر، محذرة من أن أي تجاوز مماثل مستقبلاً قد يؤدي إلى الإغلاق النهائي للمحظرة، مع اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما في ذلك المتابعة القضائية.
وفي سياق متصل، وصلت إلى المدينة اليوم سبع سيارات قادمة من المحظرة تقل عدداً كبيراً من التلاميذ، بعد أن قرر ذووهم فصلهم نهائياً منها، في مؤشر واضح على فقدان الثقة في ظروف الإقامة والتأطير داخل هذه المحظرة.
غير أن هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أكبر يتعلق بدور وزارة الشؤون الإسلامية نفسها، حيث يرى متابعون أن تدخلها جاء متأخراً ولم يكن ليحدث لولا وقوع مأساة هزت الرأي العام. فواقع المحاظر في موريتانيا يعكس ضعفاً بنيوياً في آليات الرقابة والتفتيش، وغياباً شبه تام لبرامج الدعم والتأطير الصحي والتربوي، رغم الميزانيات المرصودة للوزارة والشعارات المرفوعة حول حماية التعليم المحظري وتطويره.
ويؤكد مهتمون بالشأن التربوي أن الوزارة لا تقوم بزيارات دورية منتظمة للمحاظر، ولا تملك نظاماً فعالاً لرصد الاختلالات قبل تحولها إلى كوارث إنسانية، كما أن الدعم المقدم – إن وجد – يظل محدوداً وغير كافٍ لضمان الحد الأدنى من شروط السلامة والكرامة للأطفال. وهو ما يجعل العديد من المحاظر تشتغل في شبه عزلة عن الدولة، دون مراقبة حقيقية أو مرافقة تربوية وصحية مستمرة.
وتطرح هذه الواقعة، مرة أخرى، ضرورة الانتقال من ردّات الفعل الموسمية إلى سياسة عمومية واضحة تجاه المحاظر، تقوم على التفتيش المنتظم، والدعم المؤسسي، وحماية حقوق الأطفال، حتى لا تتحول مؤسسات يفترض أن تكون فضاءات للعلم والتهذيب إلى أماكن للخطر والإهمال.

زر الذهاب إلى الأعلى