بين الخطاب والواقع: هل فقدت حكومة ول أجاي بوصلتها الإجتماعية؟

في الدول التي تواجه أزمات اقتصادية خانقة، يُنتظر من الحكومات أن تخفف الضغط عن المواطنين، وأن تفتح أفقًا للأمل، وأن تقدم رؤية واضحة تعيد الثقة بين الدولة والمجتمع. لكن ما يحدث اليوم في موريتانيا يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا.
منذ وصول الوزير الأول المختار ولد أجاي إلى رئاسة الحكومة، لم يلمس المواطن مشروعًا اقتصاديًا متكاملًا، ولا سياسة اجتماعية واضحة المعالم، ولا حتى خارطة طريق يمكن القياس عليها. ما برز بدل ذلك هو نمط حكم قائم على إدارة الجباية بدل إدارة التنمية،
وأفتعال المشاكل بدل حلها .
وعلى البحث عن الموارد في جيوب المواطنين بدل خلقها عبر إصلاح الاقتصاد المنتج.
الضرائب تتوسع بوتيرة غير مسبوقة، الرسوم تتضاعف بصمت إداري، والأسعار ترتفع دون كوابح حقيقية، بينما يقف المواطن وحيدًا يندب حظه السئ مع هذه الحكومة الظالمة والمتسلطة.. في مواجهة موجة ضغط معيشي متصاعدة. التاجر الصغير يئن تحت عبء الإجراءات، والطبقة الوسطى تتآكل تدريجيًا، أما الفئات الهشة فقد أصبحت تعيش على حافة العجز الكامل.
الأخطر من ذلك أن الحكومة تبدو منشغلة بتحسين صورتها السيئة أكثر من انشغالها بحل الأزمات. ماكينة إعلامية نشطة تروج لإنجازات وهمية وأحيانا مخادعة، وتصنع خطابًا رسميًا متفائلًا، في وقت تتسع فيه فجوة الثقة بين السلطة والرأي العام. فالإعلانات الحكومية لا تخفض الأسعار، والمؤتمرات الصحفية لا تخلق وظائف، والبلاغات الرسمية لا تعالج اختلالات الاقتصاد.
إن الأزمة الحقيقية ليست فقط في قرارات مثيرة للجدل، بل في غياب الرؤية. فلا إصلاح جبائي شامل يحقق العدالة الضريبية، ولا سياسة تشغيل واضحة، ولا إجراءات جادة لضبط السوق أو حماية القدرة الشرائية. الحكومة تتحرك بردود أفعال متفرقة، وكأنها تدير يومًا سياسيًا طويلًا لا مستقبلًا وطنيا.
لقد تحولت السلطة التنفيذية، في نظر قطاع واسع من الموريتانيين، من أداة للحل إلى جزء من المشكلة. فحين يشعر المواطن أن الدولة لا تظهر إلا عند الجباية، وتغيب عند الخدمة والحماية الاقتصادية، فإن العقد الاجتماعي نفسه يبدأ في التآكل.
التاريخ السياسي لا يقيس الحكومات بعدد تصريحاتها، بل بقدرتها على تقليل معاناة الناس. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة:
هل تقود حكومة ولد أجاي إصلاحًا حقيقيًا، أم أنها تؤجل الانفجار الاجتماعي عبر سياسات قصيرة تسبب أزمات خانقة .
موريتانيا لا تحتاج حكومة تدير الأرقام فقط، بل قيادة تمتلك رؤية، شجاعة الإصلاح، وإرادة الانحياز للمواطن قبل الخزينة.







