مقالات

بين كوتونو ونيامي: هل وصلت القطيعة بين باتريس تالون وعبد الرحمن تياني إلى نقطة اللاعودة؟

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي متابع لشؤون الساحل والصحراء  – نواكشوط

تشهد العلاقات بين بنين والنيجر منذ أشهر واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية في تاريخ البلدين الحديث. فبعد أن تدهورت أساسًا عقب الانقلاب العسكري في نيامي عام 2023، يبدو أنها دخلت اليوم مرحلة أكثر حدة، تتسم بانعدام الثقة الأمنية وتبادل الاتهامات غير المباشرة، وصولًا إلى شبه قطيعة سياسية.
فبين محاولة الانقلاب التي أُعلن عن إحباطها في كوتونو خلال شهر ديسمبر، والهجوم الذي شنه تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى على مطار نيامي في يناير، تصاعد التوتر بين الرئيس البنيني Patrice Talon والجنرال Abdourahamane Tiani إلى مستوى غير مسبوق.
وبات السؤال المطروح اليوم: هل تجاوزت الأزمة نقطة اللاعودة؟

● أزمة بدأت مع انقلاب النيجر
منذ استيلاء المجلس الوطني لحماية الوطن على السلطة بقيادة عبد الرحمن تياني، وجّهت نيامي اتهامات ضمنية لبعض دول الجوار بدعم التهديدات العسكرية التي لوّحت بها المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (الإيكواس) لإعادة النظام الدستوري.
وقد وجد بنين نفسه سريعًا ضمن دائرة الشكوك، باعتباره أحد أبرز حلفاء الإيكواس وشريكًا أمنيًا للقوى الغربية.
وترى السلطات النيجرية أن التعاون العسكري لبنين مع شركائها الدوليين وفتح أراضيها أمام قوى أجنبية يمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، بينما ترفض كوتونو هذه الاتهامات وتعتبرها خطابًا سياسيًا داخليًا يهدف إلى تعزيز شرعية السلطة العسكرية في نيامي.

● ديسمبر: محاولة انقلاب في كوتونو
أعادت محاولة زعزعة الاستقرار التي أعلنت السلطات البنينة إحباطها في ديسمبر تشكيل النظرة الأمنية لنظام باتريس تالون.
ورغم عدم توجيه اتهام رسمي للنيجر، فإن المناخ الإقليمي المشحون بالصراع بين الأنظمة المدنية والعسكرية جعل كل أزمة داخلية تُقرأ ضمن سياق صراع نفوذ إقليمي متصاعد.
فحدود غرب إفريقيا لم تعد مجرد خطوط جغرافية، بل أصبحت تمثل أيضًا انقسامًا سياسيًا بين أنظمة ديمقراطية انتخابية وأنظمة عسكرية ذات خطاب سيادي.
يناير: هجوم تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى
شكّل الهجوم الذي تبناه ” الإمارة الإسلامية في الصحراء ” قرب مطار نيامي صدمة أمنية كبيرة للسلطات النيجرية.
ولم يكن الهجوم حدثًا عسكريًا فحسب، بل أعاد أيضًا تغذية الشكوك تجاه دول الساحل الساحلية، التي تُتهم ضمنيًا بأنها مناطق عبور أو خلفيات لوجستية تتحرك عبرها الجماعات المسلحة.
وترى نيامي أن الضغوط الأمنية على حدودها الجنوبية ازدادت منذ تدهور علاقاتها مع بنين.

● الحدود المغلقة: عنوان القطيعة
تعكس الحدود المغلقة بين البلدين عمق الأزمة السياسية القائمة.
فهذا الإغلاق ألحق أضرارًا مباشرة بـ:
▪︎ التجارة الإقليمية،
▪︎ إمدادات الطاقة للنيجر،
▪︎ اقتصادات المناطق الحدودية،
والممرات التجارية التي تربط دول الساحل بموانئ خليج غينيا.
كما تحول مشروع خط أنابيب النفط بين النيجر وبنين، المخصص لتصدير النفط النيجري عبر ميناء سيمي، إلى ورقة ضغط سياسية في هذا الصراع.
لقد أصبحت الاقتصاديات الوطنية أدوات في المواجهة الدبلوماسية.

● صراع يتجاوز البلدين
تكشف الأزمة في جوهرها عن انقسام أوسع داخل غرب إفريقيا:
دول الساحل ذات الأنظمة العسكرية التي ترفع شعار السيادة والتحرر من الضغوط الخارجية؛
مقابل دول ساحلية تتمسك بالشرعية الدستورية وآليات التعاون الإقليمي.
يمثل باتريس تالون نموذج الحكم المدني المرتبط بالاندماج الاقتصادي الإقليمي، بينما يجسد عبد الرحمن تياني توجهًا جديدًا قائمًا على المقاربة الأمنية العسكرية وإعادة تعريف العلاقات الدولية.

● هل وصلت الأزمة إلى نقطة اللاعودة؟
يرى مراقبون أن عدة مؤشرات تدعو للقلق، أبرزها:
▪︎ غياب الحوار السياسي المباشر؛
▪︎ تصاعد الوجود العسكري على الحدود؛
▪︎ توظيف الأزمات الأمنية سياسيًا؛
▪︎ انهيار الثقة بين المؤسستين العسكريتين.
ومع ذلك، فإن الوصول إلى قطيعة نهائية يبدو صعبًا على المدى الطويل بسبب الترابط الجغرافي والاقتصادي بين البلدين.
فالنيجر دولة حبيسة تعتمد على الموانئ البنينة، في حين يرتبط أمن شمال بنين بدرجة كبيرة بالتعاون مع نيامي.
الخطر الإقليمي الأكبر
الخطر الحقيقي لا يقتصر على العلاقات الثنائية، إذ إن استمرار التوتر قد يؤدي إلى:
▪︎ تفكك أكبر للفضاء الإقليمي في غرب إفريقيا،
▪︎ توسع نشاط الجماعات المسلحة،
▪︎ إضعاف آليات الأمن الجماعي،
وتحول المناطق الحدودية إلى فراغات أمنية خطيرة.
خاتمة
قد لا تكون العلاقات بين باتريس تالون وعبد الرحمن تياني قد بلغت بعد نقطة اللاعودة، لكنها بلا شك وصلت إلى أعلى مستويات التوتر بين بنين والنيجر منذ عقود.
فالأزمة اليوم لم تعد خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، بل صراع رؤى حول مستقبل الأمن والسيادة والنظام السياسي في غرب إفريقيا.
وما لم تُستأنف قنوات الثقة والحوار، ستظل الحدود بين كوتونو ونيامي أكثر من مجرد حدود جغرافية… بل خط صدع إقليمي مفتوح.

زر الذهاب إلى الأعلى