مقابلات وتحقيقات

ترخيص جديد لشركة “التوفيق”.. استثمار اقتصادي أم تمدّد لنفوذ العائلة داخل الدولة؟

       تحقيق صحفي ،إعداد:

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي اجتماعي وحقوقي

 

أثار الترخيص الرسمي الذي منحته الحكومة الموريتانية لشركة “التوفيق”، المملوكة لرجل الأعمال محمد محمود ولد المصطفى، زوج العزة منت الشيخ آياه، نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الاقتصادية والسياسية. فبينما تقدّم الحكومة الخطوة باعتبارها دعمًا للاستثمار المحلي، يرى آخرون فيها حلقة جديدة من سلسلة التراخيص والامتيازات التي تُمنح لدوائر نافذة تربطها علاقات قربى وتأثير داخل هرم السلطة.

التحقيق التالي يحاول تفكيك خلفيات القرار، والبحث في طبيعة الشركة، ومسار الترخيص، ومدى احترامه لشروط المنافسة والشفافية، إضافة إلى قراءة في البعد العائلي الذي يثير كثيرًا من علامات الاستفهام.

أولاً: شركة “التوفيق”.. سجل مبهم ونشاطات بلا تاريخ

عند مراجعة سجلات الشركات في نواكشوط، لا يظهر لشركة “التوفيق” تاريخ نشاط اقتصادي بارز قبل السنوات الأخيرة. ورغم أن الترخيص الحكومي يتيح لها الاستثمار في الزراعة والصناعة والطاقة والإسكان، فإن المعلومات المتاحة تشير إلى أن الشركة لم تكن حاضرة في أي مناقصة عمومية ذات صلة بهذه المجالات خلال العقد الأخير.

من الناحية الاقتصادية فإن منح تراخيص متعددة لجهة واحدة دون سجل سابق “يعكس إما ثقة غير مبررة، أو دعمًا مبنيًا على علاقات خاصة”.

ثانيًا: مسار الترخيص.. ما الذي جرى داخل أروقة الحكومة؟

تؤكد مصادر إدارية أن ملف الترخيص مرّ عبر لجنة وزارية مشتركة، غير أن عناصره لم تُنشر للرأي العام، كما لم تُعلن الوزارة الوصية عن دفتر الالتزامات الذي يُحدد حجم الاستثمارات المطلوبة والآجال الزمنية والتعهدات البيئية والضريبية.

ويطرح خبراء قانونيون عدة أسئلة:

  • هل تم فتح باب المنافسة أمام شركات أخرى؟
  • هل حصلت “التوفيق” على إعفاءات ضريبية أو جمركية غير معلنة؟
  • ما الذي يضمن تنفيذ المشاريع في ظل غياب سجل سابق للشركة؟

غياب الإجابات الرسمية يجعل النقاش مفتوحًا حول شفافية المسار.

ثالثًا: البعد العائلي.. حين تتقاطع السياسة بالاقتصاد

يكتسب الملف حساسية خاصة بسبب العلاقة العائلية بين مالك الشركة وزوجته العزة منت الشيخ آياه، التي ترتبط بدورها بشبكات مؤثرة داخل النظام الحالي. ويخشى كثيرون من أن يتحول الاستثمار إلى أداة لتوسيع نفوذ العائلة داخل مؤسسات الدولة، خاصة في القطاعات الأربعة: الزراعة، الصناعة، الطاقة، والإسكان… وهي قطاعات تُعد من الأكثر جاذبية من حيث الامتيازات والعقود.

ويري البعض أن “القرابة العائلية أصبحت في حالات كثيرة معيارًا غير معلن يمنح الأفضلية للوصول إلى الموارد العمومية”.

رابعًا: المشاريع المرتقبة.. استثمار حقيقي أم تغليف قانوني؟

يُفترض أن تُطلق “التوفيق” مشاريع زراعية وصناعية وإسكانية، بعضها يمكن أن يدخل في نظام التراخيص المباشرة دون مناقصات، وهو ما يجعل مراقبة التنفيذ أمرًا ضروريًا.

وعادة ما تستخدم بعض الشركات — وفق المراقبين — هذه التراخيص كـ”مظلة قانونية” للحصول على:

  • أراضٍ زراعية واسعة بأسعار رمزية؛
  • تسهيلات جمركية لاستيراد المعدات؛
  • شراكات مع مؤسسات حكومية؛
  • تمويلات عبر برامج الدعم؛

دون أن تُنفّذ المشاريع على الأرض أو لا تتجاوز نسبة الإنجاز 10 إلى 20%.

خامسًا: الرأي العام.. غضب من “اقتصاد العائلة”

على منصات التواصل الاجتماعي، وصف ناشطون الترخيص بأنه “جزء من دورة محاباة جديدة”، مشيرين إلى أن النظام يمنح امتيازات كبيرة لأشخاص محدّدين، بينما يعاني آلاف الشباب من البطالة وغياب الدعم للمشاريع الصغيرة.

ويقول أحد المزارعين في الجنوب:

“الدولة لا تمنحنا نحن صغار المستثمرين حق الاستفادة من الأراضي أو القروض، لكنها تمنحها لرجال الأعمال المتنفذين وأحيانا  لشركات لا وجود لها إلا على الورق”.


سادسًا: أسئلة مفتوحة تنتظر الإجابة

رغم أهمية الاستثمار الوطني، يبقى الملف محاطًا بغموض كبير. ويبرز التحقيق النقاط التالية التي تحتاج إلى كشف رسمي:

  1. ما حجم الاستثمارات الفعلية التي تعهدت بها شركة “التوفيق”؟
  2. هل حصلت الشركة على أراضٍ أو إعفاءات استثنائية؟
  3. لماذا لم تُعلن الحكومة دفتر الالتزامات للرأي العام؟
  4. هل تمت مفاضلة الشركة على حساب منافسين آخرين؟
  5. ما علاقة الترخيص بدوائر النفوذ العائلية داخل النظام؟

يكشف وقوع الترخيص في منطقة رمادية بين تشجيع الاستثمار وتغذية نفوذ العائلات النافذة ضعفَ الشفافية في إدارة الموارد العمومية. كما يعيد النقاش حول العدالة الاقتصادية وإمكانية تحويل الدولة إلى مجال خاص تتحكم فيه مجموعات محدودة من المنتفعين.

ويبقى على الحكومة أن تنشر وثائق الترخيص، وتكشف دفتر الالتزامات، لضمان أن يكون الاستثمار موجّهًا لخدمة المواطن، لا لتوسيع دائرة الامتيازات الخاصة.

زر الذهاب إلى الأعلى