أخبار وطنية

ترفٌ في زمن الضيق… حين يُنصح الشعب بالتقشف ويُمارس البذخ من السلطة

 

محمدعبد الرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب

medabd388@gmail

 

في الوقت الذي تُرفع فيه شعارات “الترشيد” وتُطلق التحذيرات من أزمات اقتصادية خانقة، يظل سلوك بعض صناع القرار في وادٍ آخر، بعيدًا عن واقع الناس ومعاناتهم اليومية. فكيف يمكن إقناع مواطنٍ يئن تحت وطأة الغلاء والضرائب بضرورة شدّ الحزام، بينما تُنفق آلاف الدولارات في الساعة على رحلات جوية فاخرة؟
إن الحديث عن استئجار طائرة خاصة من طراز Embraer Lineage 1000E، المشغّلة من طرف شركة VistaJet، ليس تفصيلاً عابرًا في سياق الأزمة، بل هو عنوان صارخ لاختلال الأولويات. فمتوسط تكلفة هذه الطائرة يقارب 14,850 دولارًا للساعة، دون احتساب المصاريف الجانبية المرتبطة بالخدمات الفاخرة، ورسوم الانتظار، وإقامة الطاقم، وغيرها من النفقات التي تتضاعف في رحلات طويلة مثل الرحلة إلى بروكسل.
الأمر لا يتعلق فقط برحلة رسمية، بل بنمط تفكير يعكس انفصالًا واضحًا بين الخطاب والممارسة. ففي الوقت الذي يُطلب فيه من المواطن أن يتحمل تبعات “الأزمة العالمية”، يبدو أن هذه الأزمة لا تصل إلى قمرة الطائرات الخاصة،المستأجرة  حيث تُقدّم الوجبات الفاخرة وتُدفع التعويضات بالعملة الصعبة، وكأن المال العام مورد لا ينضب.
الأكثر إثارة للدهشة، وربما للسخرية، هو الصمت شبه التام لما يُفترض أنها “صحافة” أو “معارضة”. أين النقاش العمومي حول كلفة هذه الرحلات؟ أين مساءلة المسؤولين عن هذا النوع من الإنفاق في ظرف اقتصادي دقيق؟ إن غياب هذا الدور الرقابي يطرح تساؤلات عميقة حول وظيفة الإعلام وحدود استقلاليته.
إن المشكلة ليست في السفر في حد ذاته، ولا في تمثيل الدولة خارجيًا، بل في الرسالة التي تُبعث إلى الداخل: رسالة تقول إن التقشف مطلوب من الفقراء فقط، أما أصحاب القرار فلهم استثناءاتهم. وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه يقوّض الثقة ويعمّق الإحساس بالغبن.
في الدول التي تحترم شعوبها، تُقاس شرعية القرار بمدى انسجامه مع واقع الناس، لا بمدى رفاهيته. أما حين يتحول الترشيد إلى خطاب للاستهلاك الإعلامي، ويُترك البذخ ليحلق عاليًا بعيدًا عن أعين المواطنين، فإننا نكون أمام أزمة أخلاقية قبل أن تكون اقتصادية.
في النهاية، لا يمكن بناء عقد اجتماعي متماسك على أساس ازدواجية المعايير. فإما أن يكون التقشف خيارًا جماعيًا يُطبّق على الجميع، أو أن يتحول إلى مجرد شعار فارغ، يفقد معناه مع أول إقلاع لطائرة خاصة في سماء بلدٍ يئن تحت ثقل الأزمات.

زر الذهاب إلى الأعلى