تطبيل البؤساء… لماذا يصفق المظلوم لجلاديه؟

محمد عبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي ، أنواكشوط
في كل زيارة رئاسية للولايات الداخلية، يتكرر المشهد ذاته:
الطرقات تُكنس على عجل، المدارس تغلق أبوابها ليُساق التلاميذ إلى نقاط الاستقبال، تُنصب الخيام، وتُوزّع الرايات، وتتعالى الزغاريد في قرى لم تسمع منذ الاستقلال هديرَ مولدٍ كهربائي ولا خريرَ ماءٍ نقي.
ورغم كل هذا الحرمان، يخرج السكان بملامح أنهكها الفقر، ليهتفوا باسم من يرمزون إليه سبب معاناتهم.
تلك المفارقة الصارخة دفعتنا لطرح السؤال المؤلم: لماذا يطبل سكان الداخل لمن تجاهلهم؟
● قرى تزين البؤس لاستقبال السلطة
في قرية “أكجوجت القديمة”، جلس الحاج محمد، رجل سبعيني، يراقب موكب السيارات الحكومية يمرّ وسط سحابة من الغبار. يقول لنا مبتسمًا بمرارة:
> “جاؤوا اليوم بالزيارات واللافتات، وغدًا يعود كل شيء كما كان… الطريق الترابي، والعطش، وانقطاع الكهرباء.”
لكن محمد، رغم وعيه هذا، شارك في الاستقبال.
سألناه: لماذا؟
> “هكذا الناس هنا… من لم يخرج يُحسب معارضًا، والمعارض لا نصيب له من أي شيء.”
كلماته تلخص المعادلة التي تحكم العلاقة بين السلطة والمجتمع في الداخل: الولاء مقابل الوجود.
ففي نظامٍ يقوم على الزبونية والوساطة، يصبح التطبيل وسيلة بقاء لا قناعة.
تحليل اجتماعي: الولاء كآلية للبقاء
يقول الباحث في علم الاجتماع السياسي الدكتور أحمد ولد السالم إن الظاهرة ليست مجرد سذاجة جماعية، بل “ناتجة عن تراكم طويل لثقافة الخضوع والإقصاء”:
> “حين يُربى المواطن منذ الصغر على أن الدولة سلطة لا شراكة، وعلى أن الوجاهة تُكتسب بالقرب من الحاكم، يصبح الولاء وسيلة حياة. الناس هنا لا يرون في الحاكم موظفًا، بل أبًا كبيرًا يُطعم ويمنح ويعاقب.”
ويضيف:
> “الإعلام الرسمي رسّخ هذا الوعي المشوّه، إذ يُظهر الرئيس كمنقذ، لا كمسؤول عن فشل السياسات. وحين تُعاد هذه الصورة باستمرار، تُولد حالة من التطبيع مع الفقر والتصفيق له.”
● إعلام يجمّل المأساة
تغطيات التلفزيون الرسمي لأي زيارة داخلية تُشبه عروض المسرح السياسي:
الكاميرا تلتقط النساء المصفقات، والأطفال الذين يلوّحون بالأعلام، والشيوخ الذين يرددون عبارات الولاء…
لكنها لا تُري المشاهد بئر الماء الذي جفّ، ولا المستشفى الخالي من الأطباء، ولا المدارس التي لا تتجاوز فيها الطاولات عدد أصابع اليد.
بهذا الشكل، يتحول الإعلام من سلطة رابعة إلى أداة تزييف للوعي الجمعي.
تُعرض المأساة في ثوب من الفرح الوطني، فيتسلل الإحباط إلى من يطالب بالتغيير، ويزداد الحاكم اقتناعًا بأن كل شيء على ما يرام.
● القبيلة والولاء… تحالف الإقطاع السياسي
تعمّق الظاهرة جذورها أيضًا في البنية القبلية، حيث تُختزل السياسة في “بيعةٍ” جماعية.
الشيخ يقرر، والأتباع يصفقون.
ولذلك، فإن الولاء هنا ليس دائمًا للحاكم بقدر ما هو امتدادٌ للطاعة داخل النسق القبلي.
وهكذا تتحول الانتخابات إلى موسمٍ لإعادة توزيع الغنائم، لا لتصحيح المسار.
يقول الأستاذ الجامعي المختص في التاريخ الاجتماعي، محمد الأمين ولد اعلي:
> “ما يجري في الداخل هو إعادة إنتاج للأنظمة التقليدية داخل دولة حديثة بالاسم فقط. فبدل أن تُحدث الدولة المواطن، جعلته تابعًا في شبكة ولاءات تمتد من القصر إلى الخيمة.”
● شهادات من الميدان
في قرية نائية بولاية الحوض الغربي، التقينا المعلمة فاطمة بنت عبدالله، التي قالت:
> “مدرستي بلا طاولات منذ عامين، لكن عندما تأتي الزيارة، يطلبون منا أن نلبس الجديد ونستقبل الوفد. وبعد الزيارة، لا شيء يتغير. لكننا مضطرون، لأننا إن لم نظهر في الصور فسنُعتبر خارج الصف.”
أما الشاب سيدي من ولاية لبراكنه، فيقول بحدة:
> “نحن نعيش في زمنٍ صار فيه التطبيل هو اللغة الرسمية، ومن لا يطبل يُقصى. لا ألوم الناس، ألوم النظام الذي جعل الكرامة ترفًا لا يقدر عليه الجميع.”
● النتيجة: وطن يصفق للبؤس
وهكذا يستمر المشهد:
الفقير يُغني للغنى، والمهمش يهتف باسم من همّشه، والجاهل يُبارك لجهله.
تتحول المآسي إلى مناسباتٍ للتصفيق، ويُصبح الفساد حدثًا وطنيا مبهجًا.
لكن في النهاية، كما قال الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
● “كما تكونوا يُولّ عليكم.”
من يقبل بالذل لا يُنتظر أن يحكمه العدل، ومن يطبل للباطل اليوم، سيجد نفسه غدًا ضحية صمته.
● حين يستيقظ الوعي…
التغيير في الداخل لن يبدأ من العاصمة ولا من المكاتب المكيفة، بل من لحظةٍ يقرر فيها مواطن بسيط أن لا يصفق بعد اليوم.
حينها فقط، سيتغير المشهد أمام الكاميرا، وسيتحول الولاء من الأشخاص إلى الوطن، ومن الطاعة إلى المواطنة، ومن الخوف إلى الوعي.







