تعيينات بلا تغيير: صراع الأجنحة يطغى على منطق الدولة

في ما يلي إعادة صياغة الموضوع بأسلوب نقدي تحليلي يركّز على صراعات الأجنحة داخل السلطة ومنطق تدوير المفسدين، مع نبرة صحفية واضحة تلامس جوهر الأزمة دون انزلاق إلى التوصيف الشخصي المباشر:
تكشف التعيينات التي أُعلن عنها اليوم، مرة أخرى، طبيعة الصراع الحقيقي داخل هرم السلطة، حيث لا تُدار الدولة بمنطق الإصلاح أو الكفاءة، بل وفق توازنات الأجنحة وتبادل النفوذ داخل الدائرة الضيقة للنظام. فالمشهد الذي بدا للوهلة الأولى إعادة ترتيب إداري، يخفي في جوهره إحكام قبضة جناح بعينه، وتراجعًا واضحًا لأجنحة أخرى في معركة النفوذ المستمرة خلف الستار.
ويبرز في هذا السياق الحضور الطاغي لمحمد أحمد ولد احويرثي، الذي نجح في توسيع نفوذه داخل المفاصل السياسية والأمنية، مستثمرًا وزارة الداخلية كمنصة لإعادة إنتاج نفس الوجوه وتدوير نفس الشبكات. فالتدقيق في أسماء الولاة الجدد ومساراتهم المهنية يكشف انتماءً شبه كامل إلى دائرة واحدة، بما يحوّل التعيينات من أداة لتسيير الشأن العام إلى وسيلة لتصفية الحسابات داخل النظام.
في المقابل، يواصل الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نهجه القائم على إدارة التناقضات بدل حلّها، عبر وضع شخصيات متخاصمة في مواقع متجاورة، وكأن الدولة مختبر دائم لتجارب التوتر المحسوب. ويتجلى ذلك بوضوح في تعيين حمود ولد أمحمد واليًا لنواكشوط الغربية، وهو منصب يفرض حضورًا دائمًا في واجهة المشهد الرئاسي، رغم ما هو معروف من توتر علاقته بالمختار ولد انجاي. تعيينٌ يبدو أقرب إلى إشعال حرائق صغيرة تحت مراقبة مركزية، بدل بناء انسجام مؤسسي يخدم المصلحة العامة.
أما بقية التعيينات، فتعكس منطقًا واحدًا: الولاء قبل الكفاءة، والانتماء قبل المحاسبة. فولاة نواكشوط ونواذيبو يمثلون امتدادًا مباشرًا لشبكة نفوذ واحدة، تنقلت بين الوزارات والمؤسسات دون أن تخضع يومًا لتقييم جدي لأدائها أو لمسؤوليتها عن الإخفاقات السابقة. وهو ما يعمّق شعور الرأي العام بأن التدوير لا يستهدف إلا حماية المفسدين، لا تصحيح المسار.
وعليه، لا يمكن قراءة هذه التعيينات خارج سياق صراع الأجنحة داخل النظام، حيث يُعاد توزيع المواقع لا لقطع مع الفشل، بل لإعادة إنتاجه بوجوه مألوفة. وفي هذه الجولة، يبدو أن وزير الداخلية خرج متقدمًا، بعدما أحكم سيطرته على إحدى أهم حلقات السلطة الترابية، موجّهًا ضربة واضحة لمنافسيه، لكن على حساب ما تبقى من ثقة المواطنين في جدية أي حديث عن إصلاح أو تغيير.
فالخاسر الحقيقي في نهاية المطاف ليس جناحًا داخل السلطة، بل دولة تُدار بعقلية الغنيمة، ومجتمع يُدفع مرة أخرى ثمن صراعات لا تعنيه، وفساد يُعاد تدويره كل مرة باسم “التجديد”.







