مقالات

“حرب الإستنزاف في مالي: كيف أصبح الإرهاب تهديدًا إقليميًا لأمن الساحل وغرب إفريقيا؟”

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ،متابع لشؤون دول الساحل

أنواكشوط . موريتانيا

منذ أكثر من عقد، تعيش مالي على وقع حرب غير تقليدية تقودها جماعات مسلحة عابرة للحدود، جعلت من الصحراء مسرحًا مفتوحًا للاشتباك، ومن القرى والمدن الهشة ساحات اختبار لقوة الدولة. في قلب هذا المشهد المضطرب، برزت تنظيمات جهادية مسلحة حوّلت الصراع من تمرّد محلي محدود إلى أزمة إقليمية ذات تداعيات أمنية واقتصادية وإنسانية عميقة على منطقة الساحل وغرب إفريقيا برمتها.
لم تعد المواجهة في مالي مقتصرة على هجمات خاطفة أو عمليات كرّ وفرّ ضد مواقع عسكرية، بل تطورت إلى حرب استنزاف شاملة تستهدف ركائز الدولة نفسها. فالجماعات المسلحة اعتمدت استراتيجيات جديدة تقوم على تعطيل الطرق التجارية، وقطع إمدادات الوقود والسلع الأساسية، وفرض الإتاوات على السكان المحليين، بما حوّل الأمن إلى أزمة معيشية يومية، وجعل الاقتصاد المحلي رهينة للخوف وانعدام الاستقرار.

● من تمرّد محلي إلى تهديد إقليمي
تكمن خطورة المشهد في أن الصراع لم يعد شأناً ماليًا داخليًا. فحدود مالي المفتوحة نسبيًا مع دول الجوار—النيجر وبوركينا فاسو والجزائر وموريتانيا—سهّلت تمدد الجماعات المسلحة وانتقالها بين الدول، ما ساهم في تدويل التهديد الأمني. ومع ضعف قدرات الدول على ضبط الحدود الصحراوية الشاسعة، تحوّلت المنطقة إلى فضاء مفتوح لتهريب السلاح وتجارة الوقود والأنشطة غير المشروعة التي تغذّي اقتصاد الحرب.
هذا التمدد لم يقتصر على البعد العسكري، بل طال النسيج الاجتماعي. فقد أدّت العمليات المسلحة والضغوط الأمنية إلى نزوح جماعي للسكان، وتفكك الروابط التقليدية في القرى النائية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المتطرفة لتجنيد الشباب تحت وطأة الفقر وانسداد الأفق.

● حرب على الدولة… وحرب على المجتمع
تعكس طبيعة الهجمات التي تستهدف البنية التحتية والطرق الحيوية رغبة واضحة في تقويض مفهوم الدولة نفسها. فحين تُقطع طرق الإمداد، وتتوقف الأسواق، وتُعطّل حركة النقل، لا تتضرر المؤسسة العسكرية وحدها، بل يتضرر المواطن البسيط الذي يجد نفسه محاصرًا بين عنف الجماعات المسلحة وعجز الدولة عن توفير الأمن والخدمات.
وفي هذا السياق، يصبح الإرهاب في مالي عاملًا مفاقمًا لأزمات مزمنة: الفقر، هشاشة المؤسسات، وتراجع الثقة بين الدولة والمجتمع. كما يفتح المجال أمام تدخلات خارجية متشابكة المصالح، ما يزيد تعقيد المشهد ويطيل أمد الصراع.

● تداعيات على الساحل وغرب إفريقيا
انعكاسات الأزمة المالية تتجاوز حدودها الجغرافية. فعدم الاستقرار في مالي يعني هشاشة أمنية لدول الساحل بأكملها، ويزيد من مخاطر انتشار الجماعات المتطرفة نحو السواحل الأطلسية. كما يهدد طرق التجارة الإقليمية، ويُضعف فرص الاستثمار والتنمية في منطقة تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية حادة.

● إلى أين؟
يبقى السؤال الأكبر: هل يمكن كسر حلقة العنف دون معالجة جذور الأزمة؟ فالمقاربات الأمنية وحدها أثبتت محدوديتها ما لم تُرفق بسياسات تنموية، ومصالحة اجتماعية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية. دون ذلك، سيظل الإرهاب في مالي حربًا طويلة الأمد، لا تحرق الأرض داخل حدودها فقط، بل تمتد نيرانها لتطال أمن واستقرار المنطقة بأسرها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى