مقالات

“حضرموت” تضع المجلس الانتقالي أمام استحقاق “الدولة” وتكسر محرمات التحالف

بقلم: الحضرامي ولد السالم

جاءت مظاهرات العاشر من فبراير الجاري، في مدينة المكلا، حاضرة محافظة حضرموت، اصدق تعبير عن ارادة الشعب اليمني واقوى ردة فعل وأشجعها وأسرعها ، فكانت تلك المظاهرات رغم عفويتها “زلزالاً سياسياً” أعاد ترتيب أوراق القوة في جنوب الجزيرة العربية. حيث طالعتنا الصور القادمة من ميادين المكلا وهي توثق لحظة فارقة تحول فيها المجلس الانتقالي الجنوبي من “شريك في التحالف” إلى “الدرع الوحيد” للجنوبيين في وجه ما وصفوه بـ “خيانات الحلفاء”.
صور أكدت لكل متابع أن الانتقالي ظل “رقماً صعباً” لا يمكن تجاوزه،
فخروج المتظاهرين في الحشود المليونية في المكلا شكل حقيقة جيوسياسية لا تقبل التأويل أن : المجلس الانتقالي الجنوبي ليس فصيلاً في عدن فقط، بل هو العصب الحيوي والحصن الحصين لحضرموت.
رفع صور الرئيس عيدروس الزبيدي بكثافة في هذه التظاهرات، يحمل ثلاث رسائل استراتيجية للمجتمع العربي والدولي:
1. وحدة الجغرافيا السياسية: إسقاط مشاريع “الأقلمة” أو محاولات فصل حضرموت عن مشروع الدولة الجنوبية. الحشود تقول إن حضرموت هي رئة الجنوب، والانتقالي هو رأسها.
2. شرعية الميدان: في الوقت الذي تُحاك فيه التسويات في الغرف المغلقة، يثبت الانتقالي أن “الشرعية” تُستمد من الشارع، وأن أي تجاوز له يعني الفشل الحتمي لأي عملية سلام.
3. تجديد “التفويض”: الهتافات واللافتات لم تكن مطلبية خدمية، بل كانت سياسية بامتياز، تجدد التفويض للزبيدي لاتخاذ “قرارات مصيرية” قد تصل لفك الارتباط النهائي عن الالتزامات الإقليمية إذا استمر الاستهداف.
النقطة الأكثر خطورة التي عبر عنها المتظاهرين هي الشرخ العميق مع المملكة العربية السعودية من خلال اللافتات التي حملت عبارات بالإنجليزية والعربية، وعي تندد بـ “مقتل 400 جندي جنوبي بغارات جوية”، وتتساءل بمرارة: “لماذا لا نرى هذه القوة ضد الحوثيين؟”.
هنا يبرز دور المجلس الانتقالي كـ “مؤسسة عسكرية وأمنية” وليس مجرد كيان سياسي. المتظاهرون يرون في القوات الجنوبية (النخبة الحضرمية وغيرها) نواة جيشهم الوطني، واستهدافها هو استهداف لمشروع الدولة. هذا الوضع يضع قيادة الانتقالي أمام مسؤولية تاريخية: حماية القوات الجنوبية من “نيران الصديق” وتغيير قواعد الاشتباك السياسي مع التحالف.
أما بالنسبة للمتابع في العواصم الأفريقية والعربية للشان اليمني، تقدم أحداث المكلا نموذجاً حياً لصراع “الهوية ضد المصالح”:
• المجلس الانتقالي كحركة تحرر: لم يعد الانتقالي يقدم نفسه كطرف في نزاع يمني داخلي، بل كحامل لقضية “تحرر وطني” ضد هيمنة الشمال (الحوثيين) وضد وصاية الإقليم (التحركات السعودية الأخيرة).
وخلاصة الرأي ان حضرموت ليست مجرد محافظة؛ فهي خزان النفط، المطلة على بحر العرب. سيطرة الانتقالي عليها شعبياً تعني إمساكه بمفتاح الاقتصاد، وهو ما يفسر شراسة الضغوط الإقليمية عليه، وإصرار الشارع على التمسك به.
ما بعد 10 فبراير
لقد نجح المجلس الانتقالي الجنوبي، عبر بوابة المكلا، في فرض معادلة جديدة: لا سلام في اليمن دون حل عادل للقضية الجنوبية، ولا حل للجنوب بعيداً عن المجلس الانتقالي.
رسالة المظاهرات في المكلا كانت واضحة: إذا كانت الطائرات قادرة على قصف المواقع، فإنها عاجزة عن قصف “الإرادة الشعبية” التي فوضت عيدروس الزبيدي لقيادة السفينة وسط أمواج الإقليم المتلاطمة. الجنوب اليوم، بقيادة الانتقالي، يقرر مصيره بيده، ولو كلفه ذلك خوض معركة سياسية مفتوحة مع الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى