حوار بلا أفق: تراكم المشاكل بدل حلها

محمدعبدالرحمن عبدالله
صحفي وكاتب
الإتحاد نواكشوط – يُعاد اليوم طرح فكرة “الحوار الوطني” في موريتانيا كخطة لإنقاذ البلاد من أزماتها المتكررة، وكأنها وصفة جديدة لإصلاح الوضع. لكن التجربة الموريتانية تثبت، بلا لبس، أن هذه الحوارات لم تكن يومًا مدخلاً حقيقيًا للتغيير، بل أداة لإعادة إنتاج النظام نفسه بصور أكثر تجميلًا وأقل مصداقية.
● حوارات شكلية لا نتائج ملموسة
على مدار عقود، شهدت موريتانيا سلسلة من الحوارات السياسية، اختلفت تسمياتها وتغيّرت وجوه المشاركين فيها، لكن ظل القاسم المشترك بينها واحدًا: غياب النتائج الجوهرية. غالبًا ما كانت تُعقد هذه الحوارات في لحظات ضغط سياسي داخلي أو خارجي، لتنتهي ببيانات فضفاضة وتوصيات غير ملزمة، مع تقاسم شكلي للأدوار، دون أي مساءلة حقيقية أو إصلاح بنيوي يمس جوهر السلطة وطريقة إدارتها.
لم تفشل هذه الحوارات بسبب اختلاف الأطراف، بل لأنها انطلقت من فرضية خاطئة: أن الأزمة سياسية ظرفية يمكن احتواؤها باتفاقيات فوقية، في حين أن جذورها أعمق، مرتبطة بطبيعة الدولة نفسها وبالعلاقة المختلة بين الحكم والمجتمع.
● المشكلة ليست في الحوار بل في النظام
الخطأ الأكبر هو اختزال الأزمة في غياب الحوار أو ضعف التواصل بين الفرقاء، بينما الواقع يقول إن المشكلة أعمق بكثير. النظام السياسي الحالي يقوم على الزبونية، والتحالفات العشايرية وتفضيل الولاءات الضيقة، وتهميش الكفاءات، واستعمال الدولة كغنيمة تُوزَّع بين شبكات النفوذ، لا كمؤسسة عمومية في خدمة المواطن.
في هذا السياق، يتحول الحوار إلى مجرد آلية لامتصاص الغضب الشعبي وتنفيس الاحتقان، وإعادة ترتيب مواقع الفاعلين داخل المنظومة نفسها، دون المساس بقواعد اللعبة التي أنتجت الفشل المتراكم في التنمية والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة.
● إعادة إنتاج الأزمة باسم التوافق:
كل حوار لا يطرح مسألة الشرعية، ولا يفتح ملفات الفساد، ولا يعيد النظر في توزيع السلطة والثروة، هو حوار يعيد إنتاج الأزمة لا حلها. التوافق الذي لا يقوم على العدالة، ولا يُترجم إلى إصلاحات ملموسة، ليس سوى تسوية مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
لقد أثبتت التجربة أن الأنظمة التي تخشى الإصلاح الحقيقي تلجأ إلى الحوارات الشكلية، فهي أقل كلفة من التغيير وأكثر أمانًا من المحاسبة. وهكذا يتحول “الإجماع” إلى غطاء سياسي لاستمرار نفس السياسات، ونفس الوجوه، ونفس آليات الإقصاء.
موريتانيا بحاجة إلى إعادة تأسيس
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس حوارًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي، بل مشروعًا وطنيًا لإعادة التأسيس. إعادة التأسيس تعني إعادة تعريف مفهوم الدولة ووظيفتها وحدود السلطة فيها، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة لا الانتماء، وعلى الحقوق لا الامتيازات، وعلى القانون لا النفوذ.
إعادة التأسيس تتطلب:
▪︎ استقلالًا حقيقيًا للقضاء لا قضاءً مُدارًا بالهاتف.
▪︎ مؤسسات رقابية فاعلة لا شكلية.
▪︎ نظامًا سياسيًا يُحاسِب ولا يحمي الفاسدين.
▪︎ إدارة عمومية قائمة على الكفاءة والشفافية لا المحاباة.
▪︎ إشراكًا حقيقيًا للمجتمع لا اختزاله في نخب سياسية مستهلكة.
● مسؤولية النخب ومعضلة الصمت
لا يمكن إعفاء النخب السياسية والفكرية من المسؤولية. جزء كبير من أزمة موريتانيا يعود إلى نخب اعتادت التكيّف مع الرداءة، وفضلت المشاركة في الحوارات الشكلية بدل الدفع نحو التغيير الحقيقي، إما خوفًا أو طمعًا أو يأسًا. هذا الصمت، أو التواطؤ غير المعلن، يمنح النظام القدرة على الاستمرار دون كلفة سياسية تُذكر.
● حوار للتغيير أم تغيير للحوار؟
السؤال الحقيقي ليس هل نحتاج إلى حوار، بل: أي حوار نريد؟ حوار يعيد إنتاج نفس المنظومة بأدوات جديدة، أم حوار يفتح الطريق أمام إعادة تأسيس الدولة على أسس عادلة ومستدامة؟
بدون إجابة صريحة، سيظل الحوار مجرد عنوان جذاب لسياسات قديمة، وستستمر موريتانيا في دائرة مفرغة: يتغير الشكل ويبقى الجوهر، وتتبدل الوجوه وتبقى الأزمة.







