حين تتحول “السيدة الأولى” إلى فاعل سياسي: أسئلة حول حدود الدور والشرعية

خاص – الإتحاد
في سابقة لافتة داخل المشهد السياسي الموريتاني، تواصل السيدة الأولى مريم بنت الداه تسجيل حضور إعلامي مكثف، عبر الخطب والظهور المتكرر في المناسبات العامة، في وقت لا يمنح فيه الدستور الموريتاني أي صفة رسمية أو صلاحيات سياسية لمن يحمل لقب “السيدة الأولى”.
فخلال أسبوع واحد فقط، ظهرت بنت الداه مرتين في مناسبات رسمية، كان آخرها خطاب موجه إلى الشعب بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، وهو ظهور يتجاوز – من حيث الكثافة الإعلامية – حضور رئيس الجمهورية نفسه خلال الفترة ذاتها.
هذا التكرار يثير تساؤلات سياسية وإعلامية حول طبيعة الدور الذي تؤديه السيدة الأولى اليوم:
هل هو نشاط اجتماعي وإنساني تقليدي اعتادت عليه زوجات الرؤساء، أم أنه تحول تدريجياً إلى حضور سياسي يتجاوز الإطار البروتوكولي المعروف؟
● بين العمل الاجتماعي والحضور السياسي
في أغلب الأنظمة الجمهورية، يظل دور زوجة الرئيس محصوراً في النشاط الخيري أو الاجتماعي، دون أن يتحول إلى منصة لإلقاء خطابات سياسية أو مخاطبة الشعب بشكل مباشر.
غير أن المشهد في موريتانيا يبدو مختلفاً في الآونة الأخيرة، حيث باتت السيدة الأولى تظهر بخطابات رسمية وفعاليات تحمل طابعاً سياسياً واضحاً.
هذا التحول يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول حدود الأدوار داخل السلطة، خصوصاً في ظل حساسية الرأي العام تجاه أي مظهر يمكن أن يوحي بوجود “مراكز تأثير غير منتخبة”.
● ذاكرة سياسية لا تنسى
ولعل المفارقة التي يستحضرها بعض المراقبين تعود إلى حادثة معروفة في الذاكرة السياسية الموريتانية:
فقد سبق أن ألقت زوجة السفير الموريتاني في الكويت آنذاك محمدن ولد المختار ولد داداه كلمة عبر فيديو موجهة للرأي العام، رغم أنها لم تكن تشغل أي منصب رسمي، وهو ما أعقبه – وفق ما تداولته الأوساط السياسية وقتها – قرار بإقالة زوجها من منصبه.
هذه الواقعة تجعل المقارنة حاضرة في النقاش العام اليوم، وتطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق:
إذا كان ظهور زوجة دبلوماسي في خطاب عام قد أثار آنذاك كل ذلك الجدل، فكيف يمكن تفسير الحضور السياسي المتكرر لزوجة رئيس الجمهورية؟
● إلى أين يتجه المشهد؟
لا أحد ينكر أن دعم قضايا المرأة والعمل الاجتماعي أمر إيجابي في ذاته، لكن الإشكال المطروح ليس في مضمون الرسائل بقدر ما هو في الإطار المؤسسي الذي تُقدَّم فيه.
ففي الدول التي تحكمها المؤسسات، تظل الشرعية السياسية مرتبطة إما بالانتخاب الشعبي أو بالتعيين الرسمي وفق نصوص قانونية واضحة.
أما ما يحدث اليوم، فيضع المشهد أمام منطقة رمادية: حضور سياسي متزايد لشخصية لا تمتلك صفة دستورية.
ولهذا يرى بعض المراقبين أن استمرار هذا المسار قد يفتح باباً لتأويلات سياسية واسعة، وقد يجعل السيدة الأولى – ولو بشكل غير مباشر – تبدو وكأنها فاعل سياسي داخل السلطة.
بل إن البعض يذهب أبعد من ذلك على سبيل السخرية السياسية، متسائلاً:
إذا استمر هذا النسق من الحضور والخطابات، فهل سنجد أنفسنا يوماً أمام مشهد تنافسي جديد في استحقاقات 2029؟
ربما يبدو السؤال مبالغاً فيه اليوم، لكنه يعكس في جوهره قلقاً سياسياً مشروعاً:
أين تنتهي حدود الدور الاجتماعي لزوجة الرئيس، وأين يبدأ المجال السياسي الذي تحكمه الشرعية الدستورية؟







