ثقافة

حين يسقط اللقب: مذكرات التواضع المتأخر خلف القضبان

في السجن تتعرّى المناصب، وتسقط الألقاب كما تسقط البدلات الرسمية عن الأكتاف المتخمة بالبروتوكول. هناك، لا يبقى من “معالي الوزير” إلا اسم عابر في سجل النداء، ورقم على باب غرفة تضيق بأحلام كانت تتسع لبلد بأكمله.
كان تناول وجبة العشاء في مكان واحد إنجازًا إنسانيًا صغيرًا، يخفف شيئًا من وحشة الجدران العالية. هاتفٌ عموميّ يُسمح به وفق مسطرة محددة يصبح نافذة على العالم، وكأن الحرية اختُزلت في دقائق معدودة تُحسب بالثواني. أدرك ولد أداع – متأخرًا – أن السعادة نسبية، وأن من كان يملك مفاتيح القرار كان يمكن أن يجد البهجة يومًا في تمشية على سطح لا تتجاوز مساحته عشرين مترًا، أو في ساعة رياضة، أو في متابعة نشرة أخبار كان يعتقد سابقًا أنه صانع عناوينها.
كانت ابنته الصغيرة , تسأله ببراءة موجعة: لماذا تبقى هنا؟ فيجيبها بلغة الكبار المرتبكة: “مشاغل وأعمال”. أيّ أعمال هذه التي تُدار خلف القضبان؟ وأيّ مشاغل تلك التي تبرر غياب الأب عن بيته؟ في فبراير، حين أهداه أطفاله كعكة ميلاد، اكتشف الوزير السجين أن المناصب لا تحتفل بأصحابها، وأن الكعكة التي خبزها قلب طفولي أصدق من كل حفلات التكريم التي صعد فيها المنصات محاطًا بالتصفيق.
في قاعة المحاكمة، تبدلت الأدوار أيضًا. صار ولد أداع إمامًا، والمرخي مؤذنًا، بينما اتهم الطالب عبدي فال المؤذن بالطموح للإمامة. كان رد المرخي ساخرًا بطريقته: لا يريد الإمامة، بل يريد فقط صلاة أقصر وسجودًا أخف! حتى في السجن، يظل الصراع على “المنصب” حاضرًا، ولو كان محرابًا صغيرًا بين جدران رمادية. كأن ثقافة التنافس على الواجهة لم تغادرهم، حتى وهم يتشاركون المصير ذاته.
تأجيل المحاكمات كان يثقل الروح. الزمن في الخارج يمضي بلا استئذان: مرضت زوجته، رحل عمه، وغابت وجوه محورية من مجتمعه. أما هو فكان ينتظر جلسة تُرفع قبل أن تبدأ، وحكمًا يتأخر كما تأخرت اعترافات كثيرة في حياته العامة..كغيره من المتهمين .
قرأ في السجن مذكرات جاك شيراك وفرانسوا هولاند وبيل كلينتون ونيكولا ساركوزي ونيلسون مانديلا، واستعاد سِيَرًا كانت تروي كيف تصنع السلطة مجدًا أو تخلّف ندبة. ربما وجد في تجربة مانديلا عزاءً، أو حاول أن يقيس المسافة بين سجنٍ لأجل قضية وسجنٍ لأجل تهم. قرأ عن يوسف عليه السلام الذي جعل من السجن محطة عبور، وعن مفارقة “ستوكديل” التي تعلّم المرء التمسك بالأمل دون إنكار الواقع. لكن الفارق بين القراءة والتجربة أن الكتب تمنحك بطولة نظيفة، بينما الواقع يضعك أمام مرآة قاسية.
في الداخل، صار معلّمًا لعامل اكتشف أميته، وعلّم ماليًا يُدعى بوبكر الفاتحة وبعض سور “سبّح”. اكتشف فجأة فضيلة التواضع التي طالما نُصح بها وهو على كرسيه الوثير. كوّن صداقة مع أحمد، ابن الجيران من حراس المنزل المجاور، حتى صار يعرف أسماء النزلاء واحدًا واحدًا. أيّ مفارقة هذه؟ من كان يمر بجانب البسطاء دون التفاتة، صار يجد فيهم أنيسًا، وفي تعليمهم معنى، وفي صحبتهم درسًا.
كانت رحلة الباص إلى قصر العدالة تستغرق ربع ساعة، طريقٌ واحد لأشهر طويلة. وفي يومٍ ما، عند ملتقى “سيتي سمار”، غيّر السائق مساره بسبب الزحام. مرّوا بشارع المختار ولد داداه، ثم بطريق الخارجية. تحوّلت الدقائق إلى “جولة سياحية”، وغمرتهم سعادة طفولية وهم يشاهدون المدينة من خلف النوافذ. من كان يسافر في مواكب رسمية مغلقة، ويغضب من تأخر دقيقة في جدول مزدحم، صار يرى في تغيير مسارٍ عابر حدثًا استثنائيًا يستحق الفرح.
حتى إنهم – تهكمًا أو حنينًا – قرروا أنه إن أُطلق سراحهم سيشترون باصًا لتنظيم رحلات سياحية، وأبدى شرطيان استعدادهما لمرافقتهم بعد التقاعد. كأن السلطة حين تسقط، تكتشف إنسانيتها المتأخرة.
هكذا يتعلم بعض من شغلوا مناصب سامية درس التواضع متأخرًا. كانوا يُعرفون بالتعالي والتكبر، وبالعبوس في وجه المواطن البسيط، وباللغة المتعالية التي تُحيل المطالب إلى “إجراءات”. اليوم، يتقاسمون وجبة عشاء واحدة، وينتظرون دورهم على هاتف عمومي، ويفرحون بمساحة عشرين مترًا من الهواء.
السجن لا يصنع بالضرورة قديسين، لكنه يكشف هشاشة الصورة التي رسمها أصحاب المناصب لأنفسهم. هناك، حيث تتساوى الألقاب، يدرك الوزير السجين أن الكرسي كان عابرًا، وأن الدرس الذي لم يتعلمه وهو في القمة، يلقنه له القاع بصرامة لا تعرف المجاملة.

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب

www.elitihad.info

زر الذهاب إلى الأعلى