الاقتصاد

ذهب تازيازت… أرباح كينروس تتلألأ وخسائر موريتانيا تتراكم

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب ،أنواكشوط

رغم ما يُروَّج له رسميًا عن “مكاسب” موريتانيا من استغلال منجم تازيازت، تكشف الأرقام المتداولة في تقارير الشركة والتصريحات الرسمية عن اختلال صارخ في تقاسم الثروة بين الدولة الموريتانية وشركة التعدين الكندية كينروس المشغّلة لمنجم تازيازت. فبينما تجني الشركة أكثر من مليار دولار سنويًا من قيمة الذهب المُنتج، لا يتجاوز ما يدخل خزينة الدولة فعليًا نحو 60 مليون دولار سنويًا بعد خصم ما تُعيده موريتانيا للشركة في شكل إعفاءات وتسويات ضريبية.

● أرقام تكشف الخلل في القسمة
وفق المعطيات المُعلنة:
نصيب الدولة الإجمالي من الإتاوات والضرائب يناهز 100 مليون دولار سنويًا في أفضل الأحوال.
إعفاءات وتسويات تُعيدها موريتانيا للشركة تُقدَّر بنحو 40 مليون دولار سنويًا (استرداد ضرائب/محروقات وتسويات مالية).
الصافي الحقيقي لما تستفيد منه موريتانيا لا يتجاوز 60 مليون دولار سنويًا.

● في المقابل:
قيمة إنتاج الشركة السنوي من الذهب تتجاوز مليار دولار وفق متوسطات الإنتاج والأسعار العالمية الأخيرة.
هذا يعني أن الدولة تحصل على أقل من 6% من القيمة السنوية التقريبية، بينما تذهب الحصة الكبرى إلى الشركة، بعد احتساب التكاليف التي تُحدِّدها الشركة نفسها.

● خلاصة رقمية:
موريتانيا: ~60 مليون دولار صافيًا سنويًا
كينروس: > 1 مليار دولار سنويًا من قيمة الإنتاج
الفجوة: عشرات الأضعاف لصالح الشركة.
اتفاقية غير متكافئة… وسيادة تفاوضية غائبة
تعكس هذه الأرقام اختلالًا بنيويًا في شروط التعاقد والتفاوض. فالإتاوات المحدودة، والإعفاءات الضريبية الواسعة، وآليات استرداد الضرائب، تجعل مساهمة المنجم في المالية العامة أدنى بكثير من القيمة الحقيقية للذهب المستخرج. ومع كل توسعة إنتاجية، تتضاعف أرباح الشركة بوتيرة أسرع من تضاعف حصة الدولة، ما يُكرّس نموذج “تصدير الخام بثمن بخس”.

● المخاطر البيئية: ثمن خفي يدفعه السكان
إلى جانب الخسارة المالية، يعيش سكان محيط المنجم هاجس التلوث والسموم المرتبطة بعمليات المعالجة الكيميائية للنفايات المنجمية، وما قد يترتب عليها من:
تهديد للمياه الجوفية في بيئة صحراوية هشّة.
تدهور التربة والمراعي ومصادر العيش المحلية.
مخاطر صحية طويلة الأمد لا تظهر فورًا في ميزانيات الشركات.
هذه الأكلاف البيئية لا تُحتسب في “فاتورة الأرباح”، لكنها تُرحَّل إلى المجتمع المحلي والأجيال القادمة.

●أين القيمة المضافة المحلية؟
رغم الحديث عن “استثمارات” وتوسعات إنتاجية، يبقى الأثر التنموي المباشر محدودًا:
نقل معرفة وتقنيات دون المستوى المطلوب.
تشغيل محلي نوعي أقل من المتوقع قياسًا بحجم المشروع.
غياب سلسلة قيمة محلية (تصنيع/خدمات مساندة) تُبقي معظم القيمة خارج البلاد.

● توصيات عاجلة
إعادة التفاوض على الاتفاقية لرفع الإتاوات وربطها بأسعار الذهب العالمية بحصة عادلة.
تقليص الإعفاءات الضريبية وإخضاعها لشفافية برلمانية ومحاسبة دورية.
رقابة بيئية مستقلة ونشر تقارير أثر بيئي علنية.
صندوق سيادي للذهب يوجّه جزءًا معتبرًا من العائدات للتعليم والصحة والمياه.
تعميق المحتوى المحلي ونقل التكنولوجيا والتشغيل النوعي.

ذهب تازيازت يلمع في تقارير الشركات، لكن بريقه يخفت حين يُقاس بميزان المصلحة الوطنية. الأرقام الحالية تقول بوضوح: اتفاقية مجحفة تُغني الشركة وتُبقي موريتانيا عند هامش الثروة، بينما تتراكم المخاطر البيئية فوق رؤوس السكان. إصلاح هذا الخلل ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة سيادية وتنموية لا تحتمل التأجيل.

●  كينروس تستفيد من نسبة ضخمة من قيمة الذهب المستخرج عبر ملكيتها وإدارتها للمشروع، والاستفادة من الإعفاءات والتسويات الحكومية.
●  موريتانيا تحصل على نصيب ضئيل جدًا من العائدات، ويعتمد غالبًا على إرتفاع  سعر الذهب العالمي وليس على قيمة الإنتاج الفعلية.
●  هذه الفجوة تشير إلى نقص في شروط التفاوض لصالح الدولة وضعف ضمانات العدالة في توزيع الثروة.

زر الذهاب إلى الأعلى