رحلات المسؤولين في الداخل..الصور لاتلغي الواقع.!
لم يعد في الأمر أي لبس: الصور الجميلة التي تبثها كاميرات السلطة لا تمحو القبح المتجذّر في الواقع. يمكن للرئيس أن يبتسم وسط حشد مُختار بعناية، ويمكن للوزراء أن يتنقلوا بين الكاميرات كما لو كانوا على خشبة مسرح، لكن الشوارع الطافحة بالماء والمجارير تظل هي الصورة الأصدق، صورة تُعرّي كل تزييف.
نواكشوط، العاصمة التي يُفترض أن تختصر حضور الدولة، لم تعد بحاجة إلى “عدسات” كي تفضح واقعها. مطر واحد كفيل بكشف المستور: بنى تحتية غائبة، أحياء تُدفن يوميًا في المستنقعات، ووجوه المواطنين مرسومة بالحسرة. هنا لا مكان للشعارات ولا للأغاني الرسمية، فالطمي والوحل يتكلمان بلسانٍ أفصح من كل الخطب.
لكن الأخطر من الطين والمجارير هو ذاك الشرخ الذي يتسع بين الموريتانيين، تُغذّيه خطابات الكراهية من جهة، وسياسات التجاهل من جهة أخرى. بيرام، بلغته العنصرية ومفرداته المشحونة، يسعى لدفن المشتركات الوطنية تحت ركام مفاهيم تقسيمية. والحكومات، بصمتها وتواطؤها، ترغم الطبقات الهشّة على الاصطفاف في صفّ من يوسّع الهوة بدل ردمها.
أي عبث أكبر من هذا؟ أن يتحدث البعض باسم “المظلومية” لزرع الكراهية، بينما يمارس آخرون “السلطة” لشرعنة التهميش؟ بين الإثنين، يسقط المواطن البسيط غريقًا في مستنقع مزدوج: فساد ينهش جسد الدولة، وخطاب مسموم ينهش روحها.
إن البلد لا يحتاج إلى صور مُنمّقة ولا إلى خطابات “عفا الله عمّا سلف”. يحتاج إلى مواجهة الحقيقة: نحن أمام عجز مزمن في الخدمات، وفشل متكرّر في إدارة الأزمات، وتسيير يفتقر إلى الرؤية. الصور تُطمئن الحاكم، لكنها لا تُقنع المحكوم. والمواطن الموريتاني، الذي يعرف الطين أكثر من الإسفلت، لم يعد تنطلي عليه هذه المسرحيات المصوّرة.
الواقع لا يُلغى بالصور، بل يُغيَّر بالقرار الشجاع: أن تُقدَّم المصلحة العامة على الولاءات، وأن يُسمع صوت المهمشين قبل أصوات المصفقين، وأن تتوقف لغة الكراهية والتزييف معًا. عندها فقط، يمكن أن نتحدث عن بلدٍ في طريقه إلى التعافي.