أخبار وطنية

رحيل بوبكر ولد مسعود… صوتٌ لم ينكسر في معركة الحرية

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب

medabd@gmail.com

في هدوء المساء بنواكشوط، انطفأ يوم الخميس صوتٌ ظل لعقودٍ يصدح باسم المظلومين. فقد توفي الحقوقي الموريتاني بوبكر ولد مسعود عن عمر ناهز 81 عامًا، بعد مسيرة طويلة من النضال الصبور ضد العبودية والدفاع عن كرامة الإنسان.
لم يكن ولد مسعود مجرد ناشط حقوقي عابر في المشهد العام، بل كان واحدًا من الوجوه القليلة التي كرّست حياتها كاملة لمعركة شاقة ضد إرثٍ ثقيل من الظلم الاجتماعي. معركة لم تكن سهلة في مجتمع تحكمه التقاليد الصلبة والتوازنات الحساسة، لكنه خاضها بإيمانٍ عميق بأن الحرية ليست شعارًا، بل حقٌ يجب انتزاعه.
وُلد الراحل سنة 1945 في تويكندي قرب مدينة روصو جنوبي موريتانيا. درس الهندسة المعمارية في شبابه، غير أن مسار حياته سرعان ما انحرف عن الخرائط والرسومات نحو قضية أكبر: الدفاع عن الإنسان حين يُسلب حقه في الكرامة.
منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، بدأ اسم بوبكر ولد مسعود يبرز في فضاء المجتمع المدني، قبل أن يؤسس سنة 1993 منظمة “نجدة العبيد”، التي تحولت مع الوقت إلى إحدى أبرز الهيئات الحقوقية في البلاد. لم تكن المنظمة مجرد إطار مدني، بل منصة لتوثيق معاناة الضحايا وكسر جدار الصمت حول ممارسات الاسترقاق التي ظلت لعقودٍ مسكوتًا عنها.
قاد ولد مسعود حملات توثيق ودفاع قانوني عن ضحايا العبودية، وشارك في الضغط الحقوقي الذي أفضى إلى سنّ تشريعات تجرّم هذه الممارسات، أبرزها قانونا 2007 و2015. ورغم أن الطريق نحو العدالة ظل طويلًا، فإن تلك القوانين كانت خطوة فارقة في مسار الاعتراف بالمشكلة والسعي لمعالجتها.
لم يكن نشاطه الحقوقي بلا ثمن. فقد تعرّض خلال مسيرته لاعتقالات ومضايقات بسبب مواقفه الصريحة، لكنه ظل ثابتًا على قناعته بأن الدفاع عن الحرية لا يُقاس بالكلفة السياسية أو الشخصية.
على مدى أكثر من نصف قرن، ظل بوبكر ولد مسعود صوتًا حاضرًا في النقاش الوطني حول العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، مدافعًا عن الفئات الأكثر هشاشة، ومذكّرًا بأن معركة الكرامة الإنسانية لا تنتهي بقانونٍ يُكتب، بل بإرادة مجتمعٍ يرفض الظلم.
برحيله، تطوي موريتانيا صفحة من تاريخ نضالها الحقوقي، لكنها تحتفظ بإرث رجلٍ اختار أن يقف في صف المستضعفين، وأن يحوّل صوته إلى جسرٍ يعبر عليه المظلومون نحو العدالة.
لقد غاب الجسد، لكن السؤال الذي حمله طوال حياته سيظل حاضرًا:
هل يمكن لمجتمعٍ أن ينهض كاملًا ما دام بعض أبنائه يُحرمون من حقهم في الحرية والكرامة؟

زر الذهاب إلى الأعلى