أخبار وطنية

ستة عشر عامًا على “حركة التصحيح”: حين يُختطف الوطن في يوم مشؤوم.!!

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله

كاتب صحفي – نواكشوط

في مثل هذا اليوم من عام 2008، وأثناء أن كانت رائحة الشاي تنبعث من مائدة إفطار بسيطة في القصر الرمادي، دخل التاريخ من باب ساخر على يد مجموعة من الجنرالات الشجعان. لم يكن هناك تبادل نار، ولا مواجهة حامية، فقط رئيس أعزل، في حالة صيام، واجهته “كتيبة البطولات” واعتقلته في مشهد يجمع بين البساطة والتراجيديا.

هكذا بدأت “حركة التصحيح”، التي رُوّج لها كفتح مبين وإصلاح عظيم. جنرالان قدّما نفسيهما حماة للديمقراطية، ومنقذين للوطن من فسادٍ كانا شاهدين عليه من قلب النظام، لا من خارجه. أحدهما تولى الحكم مباشرة، والآخر انتظر دوره حتى عام 2019، لتكتمل حلقة التناوب داخل المؤسسة العسكرية، بزيٍّ مدني هذه المرة.

بين الشعار والواقع

رفعت الحركة في أيامها الأولى شعارات براقة: العدالة، محاربة الفساد، إعادة توزيع الثروات، تعزيز الوحدة الوطنية. لكن بعد ستة عشر عامًا، تقف البلاد على مفترق طرق:

ديمقراطية شكلية تُدار من الأعلى.

اقتصاد مرتهن لمصالح ضيقة وشركات أجنبية.

ثروات منهوبة من الصيد والمعادن والذهب.

تفكك اجتماعي تغذيه منظومات الزبونية القبلية.

أما العدالة التي وُعد بها الجميع، فقد وُزعت بالتساوي بين الملفات المغلقة والمناورات القضائية. من لا يزال يتذكر تحقيقات الفساد الكبرى؟
أو محاكمات رجال الأعمال؟ إنها تنتهي عادة حيث تبدأ المصالح.

الأيادي “الأمينة”

يتغنى أنصار النظام الحالي بأن “موريتانيا في أيدٍ أمينة”، لكن السؤال الحقيقي: أمينة على ماذا؟

على استمرار النخبة نفسها التي انقلبت على الديمقراطية، ثم احتكرت مفاصل الدولة؟

أم على تصفية الحسابات بين جناحين لعائلة سياسية واحدة؟

أم على إعادة إنتاج نفس الخطاب الأمني والإنمائي الذي يخدر الوعي العام ويؤجل الانفجار؟

ستة عشر عامًا لم تُنتج مشروع دولة، بل مشروع سلطة. سلطة تعرف كيف تحكم، لا كيف تُصلح. كيف تُسكت، لا كيف تُنصت. كيف تُدير الأزمات، لا كيف تُنهيها.

التاريخ يُكتب بمزاج الجنرالات

لا تزال “حركة التصحيح” تُدرّس في الإعلام الرسمي كمنعطف تاريخي وطني، بينما يرى الكثير من الموريتانيين أنها كانت بداية لحقبة جديدة من الاستبداد المقنع، تُدار فيها البلاد كما تُدار الثكنة: أوامر من فوق، وامتثال من تحت، ومساحة ضيقة للنقاش والتعدد.

بل إن المفارقة الكبرى أن الضباط الذين أطاحوا بحكم مدني باسم “الشرعية”، لم يقدّموا بديلًا سوى استمرار ذات النظام بصيغة عسكرية مدنية هجينة، لا تتقن سوى لعبة الوقت.

ختامًا

في الذكرى السادسة عشرة “لحركة التصحيح”، لا يحتاج المواطن إلى خطاب رسمي، بل إلى مراجعة حقيقية لمسار بلد يعيش على وعود معلقة، وأحلام مخطوفة، وعدالة مؤجلة.

فقد لا يكون من العدل أن نلوم الجنرالات على “بطولتهم” في اختطاف رئيس صائم، لكن من الظلم ألا نحاسبهم على اختطاف وطنٍ بأكمله… منذ ستة عشر عامًا!

زر الذهاب إلى الأعلى