أخبار وطنية

شفافية دون مساءلة كافية.. مؤشرات مقلقة حول إدارة المالية العمومية

كشفت نتائج مسح الميزانية المفتوحة لسنة 2025 عن صورة مقلقة لواقع إدارة المالية العمومية في موريتانيا، حيث أظهرت الأرقام أن المواطن ما يزال الغائب الأكبر عن صناعة القرار المالي، وأن آليات الرقابة والمساءلة لم تصل بعد إلى المستوى الذي يضمن حماية المال العام ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ففي الوقت الذي تحرص فيه السلطات على الإعلان عن مشاريع وبرامج تنموية طموحة، جاءت نتائج المسح الدولي لتؤكد أن إشراك المواطنين في تحديد الأولويات المالية للدولة ما يزال شبه منعدم. فقد حصلت موريتانيا على صفر نقطة في مؤشر مشاركة المواطنين، وهي نتيجة تعني عملياً أن المواطن لا يملك قنوات مؤسسية فعالة للتأثير في القرارات المتعلقة بالميزانية التي تمس حياته اليومية.
ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد رقم في تقرير دولي، بل بمؤشر يعكس فجوة حقيقية بين صانع القرار والمجتمع. فالتنمية لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المعلنة، وإنما أيضاً بمدى مشاركة المواطنين في تحديد أوجه صرفها ومراقبة تنفيذها.
أما في مجال الرقابة والمساءلة، فقد حصلت موريتانيا على 39 نقطة من أصل 100، وهو تقييم يكشف استمرار ضعف فعالية بعض مؤسسات الرقابة وتأخر نشر التقارير المالية الأساسية. ويطرح ذلك تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الهيئات الرقابية والبرلمان على متابعة تنفيذ الميزانية وكشف أوجه القصور أو الهدر المحتمل في استخدام الموارد العمومية.
وفي جانب الشفافية المالية، ورغم حصول موريتانيا على 42 نقطة متجاوزةً متوسط بعض دول المنطقة، فإن هذه النتيجة لا تزال بعيدة عن المعايير الدولية المطلوبة. فالشفافية ليست مجرد نشر جزئي للوثائق، بل تعني إتاحة المعلومات المالية كاملة وفي الوقت المناسب وبصيغة تمكن المواطنين والباحثين والإعلام من الاطلاع عليها وتحليلها.
وتبرز أهمية هذه النتائج في أنها صادرة عن تقييم دولي مستقل لا يعتمد على الخطاب الرسمي أو الوعود الحكومية، بل على معايير فنية دقيقة تقيس ما هو منشور ومتاح فعلاً للجمهور. ولذلك فإن الأرقام المسجلة تمثل مؤشراً على حجم العمل المطلوب لتعزيز الحوكمة المالية وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة.
صحيح أن السلطات بدأت منذ سنة 2024 تنظيم لقاءات ميدانية والاستماع إلى مطالب المواطنين، لكن نجاح هذه المبادرات سيظل رهيناً بتحويلها إلى آليات مؤسسية دائمة تضمن مشاركة حقيقية في إعداد الميزانية، لا مجرد مشاورات ظرفية قد لا تنعكس بالضرورة على السياسات المالية النهائية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحسين ترتيب موريتانيا في التقارير الدولية فحسب، بل في بناء منظومة مالية تجعل المواطن شريكاً في القرار، وتوفر رقابة فعالة على الإنفاق العمومي، وتضمن نشر المعلومات المالية بشكل كامل ومنتظم. فبدون ذلك ستظل الشفافية شعاراً أكثر منها ممارسة، وستبقى المساءلة محدودة الأثر مهما تعددت الوعود والإعلانات.
زر الذهاب إلى الأعلى