ضرائب الهواتف والتحويلات… حين تحلب الدولة جيوب الفقراء!!

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail.com
في بلدٍ يعاني شبابه من البطالة، وتئن فيه أسر كثيرة تحت وطأة الغلاء، والبؤس والفقر والحرمان..اختارت الحكومة الموريتانية طريقًا يبدو الأسهل دائمًا:
الذهاب مباشرة إلى جيب المواطن. فبدل البحث عن إصلاحات اقتصادية عميقة، أو وقف نزيف الفساد، أو استعادة الأموال المنهوبة، قررت السلطة فرض ضرائب جديدة على الهواتف المحمولة والتحويلات المالية، وهي إجراءات تبدو في ظاهرها بسيطة، لكنها في الواقع تفتح بابًا واسعًا لجمع عشرات المليارات من الأوقية سنويًا من جيوب المواطنين.
● لننظر إلى الأرقام بهدوء.
تشير التقديرات إلى أن عدد مستخدمي الهواتف في موريتانيا يقارب 1.5 مليون مستخدم على الأقل، وهو رقم متحفظ في بلد أصبح الهاتف فيه ضرورة يومية للعمل والتواصل. الضريبة الجديدة المفروضة على الهواتف تتراوح تقريبًا بين 15 ألف أوقية قديمة للهواتف البسيطة وتصل إلى 150 ألف أوقية قديمة للهواتف الذكية مرتفعة الثمن.
لكن إذا أخذنا متوسطًا تقديريًا يبلغ 50 ألف أوقية قديمة لكل هاتف – وهو تقدير واقعي بالنظر إلى انتشار الهواتف المتوسطة والمستعملة – فإن الحساب يصبح بسيطًا وصادمًا في الوقت ذاته:
1.5 مليون هاتف × 50 ألف أوقية = نحو 75 مليار أوقية سنويًا.
وهذا الرقم ليس سوى تقدير أولي، لأنه لا يأخذ في الحسبان عدة عوامل تزيد العائد بشكل كبير، من بينها أن كثيرًا من المواطنين يملكون أكثر من هاتف واحد، وأن الهواتف تُستبدل باستمرار عند التعطل أو عند شراء أجهزة جديدة، إضافة إلى أن عدد مستخدمي الهواتف الحقيقي قد يكون أعلى بكثير من التقديرات المتداولة.
أما الضريبة الثانية، وهي ضريبة التحويلات المالية والبنكية، فرغم أن نسبتها تبدو صغيرة – 0.1% فقط – فإن حجم التحويلات السنوي يجعلها موردًا إضافيًا للخزينة. فبحسب الأرقام المتداولة، بلغ حجم التحويلات البنكية في موريتانيا خلال العام الماضي حوالي 2000 مليار أوقية. وبحساب بسيط، فإن هذه الضريبة وحدها يمكن أن تدر على الدولة نحو ملياري أوقية سنويًا.
وهكذا، وبهدوءٍ تام، قد تحصل الدولة على ما يقارب 77 مليار أوقية سنويًا من هذين الإجراءين فقط.
لكن المشكلة ليست في الأرقام وحدها.
المشكلة أن هذه الضرائب تأتي في بلدٍ يعاني فيه المواطن من ضعف الخدمات الأساسية. مدارس متهالكة، ومستشفيات تعاني نقصًا حادًا في التجهيزات والأدوية، وبنية تحتية هشة، وفقر وبطالة تضرب فئة الشباب بشكل غير مسبوق. وفي ظل هذه الظروف، يبدو من الصعب إقناع المواطنين بأن الحل يكمن في فرض ضرائب جديدة عليهم.
الأكثر إثارة للجدل أن هذه الإجراءات تأتي في وقتٍ تتحدث فيه تقارير كثيرة عن هدر المال العام، وضعف الرقابة، واستمرار الإفلات من المحاسبة. فقبل أن تطالب الدولة المواطن بدفع المزيد، كان الأولى بها أن تقدّم إجابات واضحة عن سؤال بسيط:
أين تذهب الموارد الحالية؟
فموريتانيا ليست بلدًا فقير الموارد. فهي تمتلك ثروة بحرية هائلة، وثروات معدنية كبيرة، وموارد طبيعية متعددة. ومع ذلك، ما يزال المواطن العادي يشعر أنه يدفع ثمن سوء التسيير أكثر مما يستفيد من ثروات بلده.
إن فرض الضرائب في حد ذاته ليس أمرًا مرفوضًا في أي دولة، بل هو جزء من العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. لكن هذا العقد يقوم على قاعدة واضحة: الضرائب مقابل الخدمات والشفافية والعدالة. وعندما تغيب هذه العناصر، تتحول الضرائب في نظر الناس إلى مجرد وسيلة جديدة لتمويل جهاز بيروقراطي ضخم لا ينعكس أداؤه على حياتهم اليومية.
ولهذا، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يكون فقط حول حجم هذه الضرائب، بل حول الفلسفة الاقتصادية التي تقف خلفها. هل تريد الدولة بناء اقتصاد منتج يشجع المبادرة والاستثمار؟ أم أنها تكتفي بزيادة الضغط الجبائي على مجتمع يعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية؟
في النهاية، قد تنجح هذه الضرائب في جلب عشرات المليارات إلى خزينة الدولة. لكن السؤال الأهم سيظل مطروحًا:
هل ستذهب هذه الأموال فعلًا إلى تحسين حياة المواطنين، أم أنها ستضيع – كغيرها – في دهاليز التسيير الغامض ودوائر النفوذ؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر الموريتانيون إجابته.





