أخبار وطنية

غزواني: القطيعة مع عزيز..والإرتهان لنظامه

حين استلم ولد الغزواني السلطة في 2019، كان يُنظر إلى انتخابه بوصفه “انتقالًا ناعمًا” من عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، شريكه في السلاح وصديقه لعقود. لكن سرعان ما تحولت تلك الشراكة التاريخية إلى خصومة علنية، انتهت بفتح ملفات الفساد التي طالت عزيز نفسه وأقرب مقربيه. وهنا بدا أن الغزواني اختار التخلص من إرث سلفه، لا من خلال إصلاح جذري للنظام السياسي، بل عبر إعادة توزيع الغنائم السياسية بين مراكز قوى جديدة.

لكن المفارقة أن الغزواني، الذي رفع شعار محاربة الفساد في مواجهة سلفه، سرعان ما وقع في نفس الفخ الذي حاول الابتعاد عنه: إحاطة نفسه بطبقة من المفسدين والمتملقين الذين أتقنوا لعبة النفاق السياسي وشراء الولاءات. هؤلاء الذين فشلوا في خدمة الدولة في مراحل سابقة، عادوا اليوم في صورة “المستشارين الأمناء” و”المدافعين عن العبور الآمن”.

■ “العبور الآمن” أم الانسداد السياسي؟

مصطلح “العبور الآمن” الذي تتداوله الدوائر الرسمية ليس سوى تعبير ملطف عن عملية إقصاء متدرّج للمعارضة، وتجفيف منابع التعددية. وفي حال استمر هذا النهج، فإن موريتانيا قد تدخل دائرة انسداد سياسي شبيه بما عرفته في عهد عزيز، حين أُلغيت قواعد اللعبة الديمقراطية وتحولت الانتخابات إلى مجرد تمرين شكلي.

أما خيار الحوار الوطني، الذي يُطرح أحيانًا كغطاء لإضفاء شرعية على التمديد للرئيس، فهو في الحقيقة يهدد بأن يتحول إلى عملية “تسوية فوقية”، يُشرك بعض الأطراف الشكلية، لكنه يستثني عمق المعارضة والمجتمع المدني.

■ ما بعد 2029: شرعية على المحك

الخطر الأكبر في هذا المشهد يكمن في أن النظام يراهن على التدجين السياسي بدل التنافس الديمقراطي، وعلى توزيع المنافع بدل بناء المؤسسات. وهذا ما يجعل أي حديث عن “مأمورية ثالثة” للرئيس الغزواني سؤالًا ملتبسًا: هل ستكون امتدادًا للاستقرار أم مجرد غطاء لاستمرار شبكات الفساد التي عادت إلى الواجهة تحت عباءته؟

فبينما انتهت علاقة الغزواني مع سلفه عزيز إلى قطيعة وصراع على الشرعية، يبدو أنه يعيد إنتاج نفس القاعدة: الثقة بالمنافقين، والرهان على التحالفات الظرفية، وإقصاء الأصوات المستقلة. وهو ما ينذر بأن السنوات القادمة قد تشهد تفاقم الاحتقان السياسي والاجتماعي بدل تجاوزه.

موريتانيا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تُبنى الحياة السياسية على شرعية المشاركة والتعددية، أو أن تستمر لعبة التمديد والإقصاء، فنعود إلى حلقة مفرغة من الصراع على السلطة، حيث يتبدل اللاعبون وتبقى أدوات الفساد والتملق هي ذاتها التي تتحكم في المصير.

زر الذهاب إلى الأعلى