أخبار وطنية

لا تتركوا المفسدين يسرقون الوطن بصمت

في كل مرة ينهار فيها مشروع خدمي، أو يتعطل مستشفى، أو يتبخر وعد تنموي، يدفع المواطن الثمن وحده. ليس لأن الموارد شحيحة بالضرورة، بل لأن الفساد — بصوره المتعددة — يحوّل المال العام إلى غنيمة، والمؤسسات إلى واجهات شكلية، والمساءلة إلى طقس بروتوكولي بلا أثر.
الفساد ليس حدثًا عابرًا ولا خطأً إداريًا معزولًا؛ هو منظومة تُدار بالصمت والتواطؤ، وتترسخ حين يُستبدل القانون بالولاءات، وتُقدَّم المصالح الضيقة على المصلحة العامة. أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تسرق الحاضر فقط، بل تصادر المستقبل: تُفرغ التعليم من محتواه، وتضعف الصحة، وتخنق فرص الشغل، وتغذّي الإحباط والهجرة واليأس.
السكوت على الفساد ليس حيادًا؛ هو مشاركة غير مباشرة في نتائجه. حين نُطَبِّع مع الرداءة، ونُبرّر التجاوزات بـ«الواقعية»، ونشيح بوجوهنا عن سوء التسيير، فإننا نمنح المفسدين الغطاء الاجتماعي الذي يحتاجونه للاستمرار. المعركة ضد الفساد ليست معركة شعارات، بل معركة مؤسسات وقوانين وأدلة ورقابة شعبية واعية.
المطلوب اليوم ليس جلد الذات، بل بناء جبهة أخلاقية ومدنية واسعة:
جبهة تُطالب بشفافية الميزانيات والصفقات العمومية، وبنشر التقارير الدورية، وبحماية المبلّغين والصحفيين الاستقصائيين، وباستقلال القضاء وتسريع البت في قضايا المال العام. جبهة تُعيد الاعتبار لمعيار الكفاءة، وتكسر ثقافة الإفلات من العقاب، وتُخضع الجميع — بلا استثناء — لمسطرة المحاسبة.
كما أن دور المواطن لا يقل أهمية عن دور الدولة: الرقابة المجتمعية، التبليغ المسؤول عن التجاوزات، رفض الرشوة في تفاصيل الحياة اليومية، ومساندة الإعلام المهني. الفساد لا يعيش في الفراغ؛ يعيش حيث يغيب الوعي وتضعف الإرادة الجماعية.
إن إنقاذ الوطن لا يكون بتبادل الاتهامات ولا بتأجيج الانقسامات، بل بإعادة بناء الثقة على قاعدة واحدة: القانون فوق الجميع، والمال العام أمانة، والوظيفة العمومية تكليف لا تشريف. حين نتحد حول هذه القاعدة، يصبح فضح الفساد فعلَ حماية للوطن، لا صراعًا سياسياً عابرًا.
الوطن لا يُدمَّر بضربة واحدة؛ يُستنزَف تدريجيًا حين نسمح للمفسدين أن يعملوا في الظل. كسرُ الظلّ يبدأ بالضوء: شفافية، محاسبة، ووحدة مجتمعية لا تساوم على حقها في دولة نظيفة وعادلة.

زر الذهاب إلى الأعلى