مقابلات وتحقيقات

مالي بين التفكك والصراع الدولي… من يملك مفتاح الخروج من النفق؟

خاص ، الإتحاد .
تحقيق صحفي ، إعداد :
محمدعبدالرحمن ول عبدالله
كاتب صحفي ، أنواكشوط

يتسارع تفكك الدولة المالية منذ 2020 بصورة تجعلها اليوم أقرب إلى ساحة صراع متعدد المستويات:
سلطة انتقالية محاصرة، جماعات مسلحة تتوسع، قوى دولية تتزاحم، واقتصاد على حافة الانهيار. ومع دعوة الاتحاد الأفريقي مؤخرًا إلى “تحرك دولي عاجل لاحتواء الأزمة”، تبرز الأسئلة الكبرى: هل نحن أمام بداية تدخل دولي جديد؟ وما هو أفق حل أزمة تُعد الأخطر في غرب إفريقيا؟

أولًا: خط زمني لأهم محطات الأزمة

2020: بداية الانهيار السياسي

18 أغسطس 2020: انقلاب عسكري يطيح بالرئيس إبراهيم بوبكر كيتا.

سبتمبر 2020: تشكيل سلطة انتقالية بقيادة عسكرية.
الغرب (فرنسا، الاتحاد الأوروبي) يضغط، وECOWAS تفرض عقوبات.

2021–2022: الانقلاب داخل الانقلاب

24 مايو 2021: انقلاب ثانٍ بقيادة العقيد أسيمي غويتا ضد الحكومة الانتقالية.

يناير 2022: Mali تطرد قوات Barkhane الفرنسية وتبدأ التقارب الرسمي مع روسيا.

2023: انسحاب MINUSMA

يونيو 2023: مجلس الأمن يعلن إنهاء مهمة الأمم المتحدة، بطلب من باماكو.

ديسمبر 2023: اكتمال انسحاب أكثر من 13 ألف جندي أممي.

2024–2025: توسع الجماعات المسلحة

صعود جبهة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) وتنظيم الدولة غرب إفريقيا (ISWAP).

انهيار الاتفاق الجزائري عمليًا (اتفاق 2015).

ثانيًا: ماذا تقول الأرقام؟

1. سيطرة الجماعات المسلحة

حسب تقارير “ACLED” و”International Crisis Group” لعام 2024:

أكثر من 50 إلى 60 بالمئة من أراضي مالي خارج السيطرة الفعلية للدولة.

الجماعات الجهادية تنشط في 9 مناطق رئيسية عبر الوسط والشمال.

أكثر من 4 آلاف قتيل في 2023 وحده نتيجة العنف المسلح.

2. وضع النزوح

حوالي 470 ألف نازح داخليًا حتى منتصف 2024.

● أكثر من 1.6 مليون شخص بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة.

3. الاقتصاد على حافة الانهيار

تراجع النمو إلى حوالي 1.8 بالمئة سنة 2023 (مقارنة بـ5 بالمئة سابقًا).

التضخم يلامس 7 بالمئة.

الميزانية تعتمد بنسبة 70 بالمئة على المانحين الدوليين الذين انسحب معظمهم.

4. الوجود العسكري الروسي

وفق بيانات مراكز بحث موثوقة:

ما بين 1,500 و2,000 عنصر من “فاغنر بصيغتها الجديدة” ينشطون في مالي.

● كلفة العقود الأمنية تتجاوز 10 ملايين دولار شهريًا.

ثالثًا: لماذا يدعو الاتحاد الأفريقي الآن إلى تحرك دولي؟

دعوة الاتحاد الأفريقي جاءت بعد سلسلة تقارير تُظهر:

1. توسع الجماعات نحو الحدود مع موريتانيا والنيجر.

2. فشل باماكو في تنفيذ وعود العودة للمسار السياسي.

3. خطر تحول الشمال إلى “منطقة خارجة عن أي سيطرة”.

4. تصاعد الهجمات النوعية منذ بداية 2024 بنسبة 40 بالمئة.

■ الاتحاد الأفريقي يدرك أن:

● ترك مالي على هذا النحو يعني انهيارًا كاملاً.

● الأزمة قد تفتح ممرًا جديدًا للجماعات نحو غرب إفريقيا الساحلي.

● حدود موريتانيا والسنغال في أقصى درجات الهشاشة منذ سنوات.

رابعًا: هل نحن أمام تدخل دولي جديد؟

● يشير مراقبون إلى أن الدعوة قد تمهّد لـ:

جلسة خاصة لمجلس الأمن حول مالي قبل نهاية 2025.

مقاربة أممية جديدة بعد فشل MINUSMA.

تدخل دولي محدود، ربما من نوع “قوة دعم تقني” وليس قوة عسكرية كبيرة.

لكن…
أي تحرك دولي يحتاج موافقة باماكو التي ما تزال ترفض أي وجود أجنبي لا يخدم حساباتها السياسية.

خامسًا: مفتاح الحل… هل هو سياسي؟ عسكري؟ أم خليط؟

1. الحل القصير المدى (6–12 شهرًا)

● وقف إطلاق نار موضعي في الشمال.

● وساطة جزائرية أممية لإعادة تنشيط آليات اتفاق 2015.

● تخفيف التوتر بين الحكومة والحركات الأزوادية.

2. الحل المتوسط (1–3 سنوات)

● صياغة اتفاق سياسي جديد بدل اتفاق الجزائر الذي تعطل.

● تحديد مناطق أمنية مشتركة بين الجيش والحركات.

عودة تدريجية للمانحين مقابل إصلاحات حقيقية.

3. الحل البعيد (3 سنوات فما فوق)

● إعادة بناء الدولة: الأمن، القضاء، اللامركزية.

● دمج وتسريح المقاتلين (DDR).

● معالجة جذور الأزمة: الفقر، التهميش، غياب الدولة.

سادسًا: ماذا يعني هذا لموريتانيا؟

● موريتانيا هي الأكثر عرضة لخطر انتقال الفوضى:

● الحدود بين البلدين تمتد لأكثر من 2,200 كلم.

● الجماعات المسلحة أصبحت على بعد 50 إلى 80 كلم فقط من مناطق موريتانية حدودية.

● أي انهيار كبير في شمال مالي سيجلب موجة نزوح باتجاه الحوضين.

■ موريتانيا تحتاج اليوم إلى:

● مضاعفة الدوريات على الحدود.

● تعزيز التحالف الأمني مع الجزائر.

● لعب دور سياسي نشط لدفع الماليين إلى تفاهم حقيقي.

● مراقبة حركة السلاح والتهريب بعد اتساعها في 2024.

■ خلاصة التحقيق

مالي اليوم ليست مجرد أزمة داخلية، بل نقطة التقاء لمشاريع دولية متنافسة، وصراع محلي عميق، وانهيار مؤسساتي مزمن. دعوة الاتحاد الأفريقي ليست سوى إنذار قبل السقوط الكامل. وبدون حل سياسي شامل يعالج التهميش، ويعيد دمج الشمال، ويضع حدًا للفوضى الأمنية، فإن الدولة المالية تتجه إلى مرحلة قد تكون الأسوأ منذ الاستقلال.

زر الذهاب إلى الأعلى