“محروقات تُنهب باسم الدولة… ضرائب تتضاعف وفشل يُحمَّل للمواطن”

الإتحاد. أنواكشوط
في خضمّ السرديات الرسمية التي تُسوَّق للرأي العام حول “حماية الدولة لأسعار المحروقات”، تتوارى حقائق أكثر قسوة تكشف أن المواطن هو من يتحمّل الكلفة الفعلية، لا الدولة. فبدل أن تكون المحروقات مجالًا للدعم والتخفيف، تحوّلت إلى وعاء ضريبي ثقيل يُستنزف عبره دخل الأفراد.
فقد ارتفعت الضرائب على المحروقات من نحو 60 مليار أوقية إلى ما يقارب 180 مليار أوقية سنويًا، أي ثلاثة أضعاف، في قفزة صادمة لا تواكبها أي سياسات اجتماعية تحمي الفئات الهشة. هذه الزيادات تبدو كارثية وغير مبررة، ولا تراعي واقع الفقر ولا هشاشة القدرة الشرائية، بل تعكس توجّهًا ماليًا يحمّل المواطن عبء اختلالات لا يد له فيها.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود الجباية، بل يمتد إلى طريقة إدارة هذا القطاع الحيوي. فجزء معتبر من هذه الأموال يُثار حوله جدل واسع بشأن استفادة أطراف تجارية محددة، خاصة في سياق التعاقد مع شركة “أداكس” الإسبانية. ووفق معطيات متداولة في الأوساط الصحفية، تم الاتفاق على توريد 400 ألف لتر من المحروقات، في حين أن القدرة التخزينية داخل البلاد لا تتجاوز 90 ألف لتر فقط، وهو خلل فادح في التخطيط.
هذا الارتباك أجبر الشركة على تخزين الكميات الفائضة في خزانات مستأجرة بجزر الكناري، ما يعني تكاليف إضافية تُضاف إلى الفاتورة النهائية التي يدفعها المواطن، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات جدية حول من يتحمّل مسؤولية هذا القرار، ومن المستفيد الحقيقي من هذا الترتيب.
الأخطر من ذلك أن هذه الوقائع ليست خفية، بل معروفة لدى كثير من الصحفيين والفاعلين، غير أن جزءًا من الإعلام يفضّل الصمت أو ترويج الرواية الرسمية، في مشهد يعكس أزمة ضمير مهني، حيث تُقدَّم المصالح الخاصة على حساب حق المواطن في المعرفة.
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد زيادات في الأسعار، بل هو انعكاس لنظام اقتصادي مختل، بسط النفوذ للفاسدين، واستباح المال العام، وها هو اليوم يُحمّل الشعب جرائر عجزه في التخطيط والتنمية. ومع كل ذلك، لا يزال هناك من يدافع عن هذا النهج، بل ويتحدث عن “المأموريات” وكأنها إنجاز، في وقت تتآكل فيه معيشة المواطن يومًا بعد يوم.
في المحصلة، تبدو أزمة المحروقات عنوانًا لفشل أعمق في الحوكمة، وجرس إنذار يستدعي وقفة جادة لإعادة ترتيب الأولويات، قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة في دفع البلاد نحو مزيد من الأزمات.







