معادلة الدولة والقبيلة: حين يتحول الإرث الاجتماعي إلى عائق سياسي
محمد عبدالرحمن عبدالله
صحفي اجتماعي وحقوقي
منذ قرون شكلت القبيلة في موريتانيا إطارًا أساسيًا للتنظيم الاجتماعي، ووسيلة للتماسك والتضامن، وهو ما أشار إليه ابن خلدون حين اعتبر العصبية أساسًا لقيام السلطة لكنها في الوقت ذاته عاجزة عن ضمان استمراريتها. وفي السياق نفسه يرى أنطوني غيدنز أن الروابط التقليدية – على أهميتها – قد تتحول إلى مصدر للتمييز الاجتماعي، فيما يعتبر ماكس فيبر أن السلطة المبنية على العادات لا يمكنها أن تنافس فاعلية الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات.
ليست هذه الآراء رفاهية فكرية، بل أدوات تساعدنا على فهم مفارقة موريتانيا المعاصرة: بلد يسعى لترسيخ دولة مدنية، لكنه ما يزال رهين منظومة قبلية تزداد حضورًا في الإدارة والسياسة كلما تقدّم الزمن بدل أن تتراجع.
● الولاء الأهلي… المعادل الصعب للوطنية
تاريخيًا لعبت القبيلة أدوارًا إيجابية في حماية الجماعة وتنظيم العلاقات الاجتماعية وحل الخلافات، لكنها تحوّلت مع الزمن إلى قوة ضاغطة داخل مؤسسات الدولة. فالفرد الموريتاني، مهما بلغت خبرته أو مستوى تعليمه، يجد نفسه في كثير من الأحيان موزعًا بين ولاءين:
ولاء اجتماعي قبلي يفرضه الانتماء، وولاء وطني يفترض أن تفرضه الدولة.
وعندما ينتقل هذا الفرد إلى موقع إداري أو سياسي، يجر معه إرثه القبلي إلى المكتب والقرار والصفقة والوظيفة، لتتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات توزيع ولاءات لا فضاءات خدمة عامة. ويصبح معيار الكفاءة ثانويًا أمام معيار الانتماء، فيما تنهك المحسوبية مسار الإصلاح الإداري، وترسخ اللامساواة بين المواطنين.
● التعيينات القبلية… دولة بنظام الحصص
في مراحل عديدة من تاريخ البلاد، تمددت الظاهرة إلى حدّ أصبحت فيه الوظائف العمومية تُدار بمنطق “التمثيل القبلي”.
لم يعد السؤال: “من الأكفأ؟”
بل أصبح: “من يمثل الجهة أو المجموعة؟”
فتحوّلت الوزارات والمؤسسات إلى خريطة موزعة بين القبائل والجهات، مما عمّق الشعور بالغبن، وخلق دوائر نفوذ تنشط داخل الدولة وتؤثر على قراراتها، وكأنّ الجهاز الإداري أصبح ملكية مشتركة تُوزّع على أساس الولاء، لا مسؤولية وطنية تُسنَد على أساس الاستحقاق.
وهكذا تحوّل الإرث الاجتماعي إلى نظام موازٍ يقضم سلطة الدولة من الداخل، ويفرغ مفهوم المواطنة من محتواه.
● قرار حظر الاجتماعات القبلية… محاولة لكسر الحلقة
في هذا السياق جاء التعميم الحكومي الذي يحظر على موظفي الدولة حضور الاجتماعات القبلية، كخطوة غير مسبوقة لتحديد حدود العلاقة بين الدولة والقبيلة.
هذا الإجراء لا يستهدف البنية الاجتماعية في حد ذاتها، بل يهدف إلى حماية حياد المؤسسات من ضغوط الولاءات الصغيرة، ومنع انتقال الصراعات القبلية إلى مكاتب الإدارة وقراراتها.
فالدولة الحديثة لا تطلب من المواطن التخلي عن تقاليده، لكنها تمنع أن تتحول هذه التقاليد إلى معيار لتوزيع السلطة أو ثروة الشعب.
فالقبيلة، حين تُترك دون تنظيم، تتحول من إطار تضامن اجتماعي إلى فاعل سياسي مضاد للدولة.
● ما بين دولة تسعى للحداثة… وقبلية تعرقل الطريق
إن التحدي الأكبر اليوم لا يكمن في القضاء على القبيلة، فذلك لا يمكن ولا ينبغي.
التحدي الحقيقي هو تحييد نفوذها في مجالات القرار، وبناء دولة قانون تخضع فيها الحقوق للأنظمة لا للقرابات، ويُعامل الناس فيها كمواطنين لا كأعضاء في مجموعات.
فالولاء الوطني لا يتعزز في ظل منافسة شرسة مع الولاء القبلي، والديمقراطية لا تزدهر حين تتحول صناديق الاقتراع إلى امتداد للاجتماعات القبلية، ولا يمكن للإدارة أن تُصلح نفسها بينما تمسك بها “شبكات نفوذ” تتقاطع فيها المصالح الخاصة على حساب المصلحة العامة.
● الدولة لا تُبنى بالعصبية
قدمت القبيلة عبر التاريخ خدمات جليلة، لكنها لم تُبنِ دولة حديثة يومًا.
وموريتانيا اليوم أمام مفترق طرق:
إما تكريس دولة مؤسسات تُعلي من شأن المهنية والشفافية والاستحقاق،
وإما البقاء رهينة علاقات قبلية تُعيد إنتاج التمييز وتُفرغ مفهوم المواطنة من محتواه.
إن الحداثة ليست عداءً للتقاليد، لكنها رفض لتحويل هذه التقاليد إلى عوائق أمام العدالة والتنمية وفاعلية الدولة.








