” مفوضية الأمن الغذائي “… بين خطاب الدعم وذاكرةالفيضانات والفساد

الإتحاد ( انواكشط )
حين أعلنت مفوضة مفوضية الأمن الغذائي، فاطمة بنت خطري، عن جولة تفقدية لمراكز “عملية رمضان 1447هـ/2026م” في مقاطعات الميناء والرياض وعرفات، بدا المشهد – في ظاهره – مطمئنًا: مخزون متوفر، مواد “جيدة”، توجيهات بالصرامة، وتعهد بصون كرامة المواطنين.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل زارت المفوضة المراكز؟
بل: هل تكفي الزيارات لتبديد ذاكرة الفساد؟
● ذاكرة لا تُمحى:
حين وُزِّعت المعاناة بدل الإغاثة
ما تزال صور فيضانات الضفة الجنوبية حاضرة في أذهان آلاف الأسر التي استيقظت يومًا على مساعدات غذائية قيل إنها “طارئة”، قبل أن يتبين لاحقًا أن بعض المواد كانت قريبة من انتهاء الصلاحية أو متدنية الجودة، في لحظة كان المواطن فيها يبحث عن النجاة لا عن بيانات الشكر.
لم تكن تلك الحادثة مجرد خلل إداري عابر، بل كشفت نمطًا مقلقًا في إدارة المخزون والصفقات، حيث تداخلت المصالح، وبرزت شبهة صفقات تراضٍ مُنحت بعيدًا عن المنافسة والشفافية، لتتحول المساعدات الإنسانية إلى سوق موازٍ لتصريف فائض أو مواد راكدة.
▪︎ فمن يراقب المخزون؟
▪︎ومن يحدد الموردين؟
وهل تُخضع المواد لتحاليل مخبرية مستقلة قبل توزيعها على الأسر الهشة؟
● أرقام كبيرة… وثقة صغيرة
تقول المفوضية إن نحو 98 ألف أسرة تستفيد من المكونتين: البيع المدعوم والتوزيعات المجانية، وإن 25 ألف أسرة في نواكشوط تتلقى دعماً مباشراً، إضافة إلى 8400 أسرة بدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
الأرقام تبدو كبيرة ومؤثرة، لكن التجربة علمتنا أن المشكلة لا تكمن في عدد السلال، بل في طريقة توزيعها.
● هل تصل إلى مستحقيها فعلًا؟
أم أن لوائح المستفيدين تُصاغ على مقاس شبكات الزبونية السياسية والولاءات المحلية؟
في الأحياء الشعبية، يتحدث مواطنون – بعيدًا عن عدسات الكاميرات – عن أسماء تتكرر في كل برنامج اجتماعي، وأسر لا تُصنف “هشة” لكنها تحضر دائمًا في اللوائح، بينما تُقصى أرامل وأسر منكوبة لغياب الوساطة.
صفقات التراضي… بوابة الفساد الصامت
أخطر ما في البرامج الاجتماعية ليس سوء التنظيم، بل غياب الشفافية في الصفقات.
فعندما تُمنح صفقات تموين بملايين الأوقية عبر التراضي، دون إعلان تنافسي مفتوح، يتحول الدعم الاجتماعي إلى فرصة ذهبية لبعض رجال الأعمال المرتبطين بدوائر القرار.
وفي ظل ضعف نشر تفاصيل العقود – الأسعار، الكميات، الموردين، معايير الجودة – تبقى الشبهات أقوى من التطمينات.
▪︎ أليس من حق المواطن أن يعرف:
▪︎ كم يبلغ سعر شراء الطن مقارنة بسعر السوق؟
▪︎ من هي الشركات المتعاقدة؟
▪︎ ما معايير اختيارها؟
▪︎ وأين تقارير التفتيش المخبرية؟
● بين خطاب الكرامة وواقع الطوابير!
تتحدث المفوضية عن “حسن استقبال المواطنين بما يحفظ كرامتهم”.
غير أن الكرامة لا تُختزل في الابتسامة، بل في نظام عادل وشفاف.
الكرامة تعني:
▪︎ عدم تصوير المحتاجين لأغراض دعائية.
▪︎ عدم إذلالهم بالطوابير الطويلة.
▪︎ عدم تسييس لقمة العيش في موسم عبادة يفترض أن ▪︎ يكون موسم تضامن خالص.
● المسؤولية السياسية والأخلاقية
أُطلقت “عملية رمضان” في إطار برنامج اجتماعي برعاية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، بهدف دعم القدرة الشرائية ومؤازرة الفئات الهشة.
غير أن أي برنامج، مهما كانت نواياه، يفقد معناه إن لم تُحَطْه رقابة مستقلة حقيقية، وتُفتح أبوابه أمام الصحافة ومنظمات المجتمع المدني لمتابعة التنفيذ دون قيود.
البرامج الاجتماعية ليست مِنّة، بل حق دستوري للفئات الأضعف.
والمحاسبة ليست تشكيكًا، بل ضمانة.
● المطلوب اليوم:
إذا كانت المفوضية واثقة من سلامة مسارها، فلتفتح ملفاتها للرأي العام:
▪︎ نشر جميع صفقات التموين بالتفصيل.
▪︎ إعلان تقارير فحص الجودة للمواد الموزعة.
▪︎ تدقيق لوائح المستفيدين عبر جهة مستقلة.
▪︎ إنشاء آلية تظلم شفافة تُمكّن المواطنين من الاعتراض دون خوف.
لا أحد يعارض دعم الأسر في رمضان، ولا أحد يشكك في أهمية البيع المدعوم والتوزيعات المجانية.
لكن الفقر لا ينبغي أن يكون بوابة للإثراء غير المشروع، ولا الكوارث مناسبة لتصريف مواد فاسدة.
● الزيارة التفقدية خطوة.
أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ حين تتحول “المتابعة اللصيقة” من عبارة في بيان صحفي إلى نظام مساءلة صارم لا يستثني أحدًا.
فالجوع لا يحتمل المجاملات.







