أخبار وطنية

من شعار محاربة الفساد.. الي تدوير منظومة اختلاس المال العام؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله

صحفي ، وكاتب ، انواكشوط

 

حين وقف الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مخاطبًا الرأي العام قائلاً: «لا مكان بيننا لمن تسول له نفسه مد يده للمال العام»، بدا وكأن الدولة على موعد مع قطيعة حاسمة مع زمن العبث بالثروات. عبارة حازمة، نبرة أخلاقية عالية، ورسالة يفترض أنها لا تحتمل التأويل.
لكن بعد سنوات من الحكم، يتبدى مشهد أكثر تعقيدًا، بل أكثر تناقضًا.

● من الشعار إلى المفارقة
صحيح أن البلاد شهدت محاكمات وملفات ثقيلة، أبرزها محاكمة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز وعدد من كبار المسؤولين. وقد اعتُبر ذلك تطورًا غير مسبوق في تاريخ السلطة السياسية في موريتانيا.
غير أن مكافحة الفساد لا تُقاس بملف واحد مهما كان حجمه، بل تُقاس ببنية متكاملة من المحاسبة الدائمة. وهنا تبدأ المفارقة:
في الوقت الذي يرفع فيه الخطاب الرسمي سقف الوعيد، يستمر في الواقع نمط “تدوير المفسدين” بدل إقصائهم نهائيًا من المجال العام.

● تدوير بدل تطهير
الظاهرة الأخطر ليست فقط اختلاس المال العام، بل إعادة إنتاج من تلاحقهم شبهات الفساد داخل نفس المنظومة.
▪︎ إقالات بلا محاكمات،
▪︎ نقل إداري بدل مساءلة،
▪︎ تجميد مؤقت يتبعه تعيين جديد،
وصمت رسمي يبتلع نتائج التفتيش.
هكذا تتحول المحاسبة من مبدأ قانوني إلى إجراء إداري قابل للتفاوض.
وهنا يفقد الشعار معناه.

● الإفلات من العقاب… بوجه قانوني
الإفلات من العقاب لا يعني دائمًا غياب القضاء؛ بل قد يتجسد في بطء المسارات القضائية، في غياب استرجاع الأموال، في تسويات غير معلنة، أو في انتقائية فتح الملفات.
حين تُفعَّل العدالة في ملف وتُعطَّل في آخر، تتولد قناعة بأن مكافحة الفساد قد تتحول إلى أداة سياسية أكثر من كونها إصلاحًا مؤسساتيًا.
الدولة التي تعلن الحرب على الفساد يجب أن تكون مستعدة لدفع ثمن المواجهة، لا أن تديرها بحسابات التوازنات.

● الفساد كنظام لا كحالة
المشكلة في موريتانيا ليست “موظفًا منحرفًا”، بل بيئة إدارية هشّة:
▪︎ ضعف رقابة،
▪︎ غياب شفافية في الصفقات،
▪︎ قصور في تتبع تضارب المصالح،
وثقافة سياسية تتسامح مع النفوذ حين يكون محميًا.
في مثل هذا السياق، يصبح الخطاب الأخلاقي بلا أدوات تنفيذ صارمة مجرد وعد موسمي.

● أزمة ثقة تتسع
المواطن لا يقرأ البيانات الرسمية، بل يراقب النتائج:
هل استُرجعت الأموال؟
هل مُنع المتورطون من تقلد المناصب؟
هل نُشرت تقارير مفصلة للرأي العام؟
إذا كان الجواب ضبابيًا، فإن الثقة تتآكل.
وإذا تآكلت الثقة، تصبح الدولة نفسها موضع مساءلة أخلاقية.

● المفارقة الغريبة
أن تعد بمحاربة الفساد بينما يُعاد إنتاج نفس النخب الإدارية المتهمة أو المشكوك في نزاهتها، فذلك ليس مجرد تناقض عابر؛ بل سياسة تُفرغ الخطاب من محتواه.
المعركة الحقيقية ضد اختلاس المال العام لا تُخاض بالتصريحات، بل بقطع الطريق نهائيًا أمام كل من تلاحقه شبهة.
إما أن يكون المبدأ عامًا لا يستثني أحدًا،
أو يتحول إلى شعار للاستهلاك السياسي.
وفي النهاية، يبقى السؤال أكثر حدة من أي وقت مضى:
هل نحن أمام إرادة إصلاح حقيقي تكسر حلقة المال والنفوذ،
أم أمام إدارة ذكية للأزمة تُبقي المنظومة على قيد الحياة تحت عنوان “محاربة الفساد”؟

زر الذهاب إلى الأعلى