الاقتصاد

موريتانيا : الثروة البحرية لإطعام الأجنبي،وإغناء المتنفذين.!

تحيقيق وترجمة :

محمدعبدالرحمن ول عبدالله

كاتب صحفي ، انواكشوط

في خطوة جديدة تسلط الضوء على أزمة مستفحلة، كشفت صحيفة لوموند الفرنسية في تحقيق صحفي موسع عن التدهور المقلق الذي يعانيه قطاع الصيد البحري في موريتانيا، أحد أعمدة الاقتصاد الوطني وأكبر مصادر الدخل القومي بعد المعادن.
التحقيق، الذي استند إلى وثائق رسمية وشهادات فاعلين في المجال، يرسم صورة قاتمة لواقع هذا القطاع، حيث تلتقي المصالح الأجنبية الجشعة مع الفساد المحلي وسوء الحوكمة، لتنتج مشهدًا من الاستنزاف الممنهج للثروة البحرية، على حساب الصيادين التقليديين وحقوق الأجيال القادمة.

ويأتي هذا التحقيق في وقت تتصاعد فيه الانتقادات من داخل البلاد وخارجها بشأن الاتفاقيات المجحفة التي أبرمتها موريتانيا مع شركات أجنبية، خصوصًا الأوروبية والصينية، والتي تمنح هذه الأخيرة امتيازات واسعة مقابل عائدات محدودة، لا تعكس قيمة الموارد المستغلة ولا تساهم في تطوير البنية التحتية للصيد أو في تحسين ظروف عمل الصيادين المحليين.

في هذا السياق، يطرح تحقيق لوموند أسئلة جوهرية حول السيادة الغذائية والاقتصادية لموريتانيا، وحول مستقبل قطاع ظلّ لعقود أحد ركائز التنمية، قبل أن يتحول إلى بوابة مفتوحة على النهب والانهيار.

■ ملخص لأهم ماورد في تحقيق”  لوموند ”

إليكم ملخّصًا لأبرز ما ورد في تحقيق لوموند والوسائل الفرنسية الأخرى بشأن تدهور قطاع الصيد في موريتانيا:

■ الانخفاض الحاد في المخزون السمكي

الاستنزاف شديد خصوصًا في الأسماك الصغيرة (الساردين، الشنشار، السكوت) المستخدمة في إنتاج دقيق السمك، وتُعدّ أساسية للغذاء المحلي.

بحر نواديبو يشهد انخفاضًا ملموسًا في توافر الأسماك، مما يضطر الصيادين التقليديين إلى الذهاب أبعد في البحر، مما يزيد التكاليف والمخاطر ويقلّص الأرباح.

■ أثر صيد الصناعة على الاحتياطيات

البواخر الصناعية (غالبًا أجنبية) تصطاد مئات الأطنان في الرحلة الواحدة، لتغذية مصانع دقيق السمك وزيت السمك. مثال: سفينة تعود بـ500 طن في نصف يوم.

■ هذا التشغيل الصناعي السريع يساهم بشكل مباشر في إفراغ المخزونات التي يعتمد عليها الناس كغذاء أساسي.

■ اتفاقيات الصيد وحكم الرئة المتقلّب

بموجب اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي (2021–2026)، تدفع أوروبا حوالي 57–57.5 مليون يورو سنويًا للسماح لسفنها بالصيد في المياه الموريتانية. جزء منه لدعم البنية التحتية والمجتمعات المحلية.

هذه الاتفاقية رغم ما تبدو من دعم إلا أن القيمة الفعلية للصيد الأوروبي داخل المياه الموريتانية يُقدّر بأكثر من 300 مليون يورو سنويًا — ما يفوق بكثير ما يُدفع.

مع ذلك، أقل من 2٪ من هذه الأسماك يتم تنزيلها داخل موريتانيا، وتحوّل أقل من 5٪ منها محليًا، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي والمرتبات.

■ ضعف الحوكمة والشفافية

رغم وجود قانون مصائد الأسماك 2015 وخطط تنظيمية، إلا أن التطبيق غير فعال. توزيع التصاريح غالبًا يتم بشكل غير شفاف، مع تراخي في مراقبة الأسطول الأجنبي.

تضاف إلى ذلك مشكلات تشمل الصيد غير المشروع والغير مُصرّح به (INN)، بما في ذلك في مواسم أو مناطق منع الصيد، مثل داخل محمية بانك أرجان.

■ الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية

تعتمد حوالي 300 ألف شخص على قطاع الصيد بشكل مباشر أو غير مباشر، ويشكل القطاع نحو 10–20٪ من الدخل القومي.

لكنه يفشل في تحقيق مفعول اقتصادي محلي قوي: معظم الأسماك لا تُعالج محليًا، مما يدفع نحو فقدان فرص العمل المحلية وإمكانيات القيمة المضافة.

تقنيات تسويق الصيادين الصناعيين وكذلك حرمان النساء (خصوصًا في نواديبو) من حصة عادلة، يزيد من هشاشة الأسر الساحلية.

■ التغير المناخي وتأثيراته المتنامية

تؤثر تحولات المناخ على درجات حرارة المحيطات، والتي بدورها تغيّر أنماط الهجرة والتكاثر للأصناف السمكية. هذا يزيد من عدم اليقين بشأن توفّر الأسماك في مناطق الصيد التقليدية.

■ آليات الإصلاح والمقترحات

تراجعت أعداد السفن الصناعية من نحو 70 إلى أقل من 15، وأغلقت بعض مصانع الدقيق، كما تم تشجيع استخدام التبريد بدل معالجة الأسماك كاملة.

الاتفاقية الأوروبية صمّمت برنامجًا قائمة على مراقبة علمية: تحديد حصص صيد بناءً على البيانات، وتحديد مناطق محظورة وفترات راحة بيولوجية.

دعوات من الخبراء تُطالب حالياً بتقليص معدل الصيد بنسبة 60٪ لضمان استعادة المخزون. وهذا يتطلّب تقليص عدد السفن وفترات الصيد والتطبيق الصارم للقوانين.

■ خلاصة:

التحقيق يُنذر بخطر تدمير قطاع حيوي في بلد يعتمد عليه جزء كبير من السكان لمدخولهم الغذائي والاقتصادي. الأسباب المحورية هي:

□ الإفراط في استغلال ثروات بحرية من قبل شركات أجنبية،

□ مخاطبة توازن اقتصادي غير متكافئ في عقود الصيد،

□ ضعف الحوكمة وعدم تطبيق اللوائح،

□ وتدهور بيئي ومناخي يضغط على مخزون الأسماك.

زر الذهاب إلى الأعلى