مقالات

موريتانيا على مفترق طرق: صراع الطموحات وحدود الممكن في المستقبل السياسي


محمدعبدالرحمن عبدالله

medabd388@gmail..com

صحفي ومحلل سياسي

تعيش الساحة السياسية الموريتانية مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الطموحات الشخصية مع حسابات السلطة، ويغيب عنها – إلى حدٍّ كبير – النقاش الجاد حول طبيعة الدولة التي يريدها الموريتانيون بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. فالحراك السياسي الراهن لا يبدو، في جوهره، صراع برامج أو رؤى، بقدر ما هو سباق مبكر نحو خلافة السلطة، أو إعادة إنتاجها بصيغ مختلفة.
في قلب هذا المشهد، يبرز الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يرى خصومه ومراقبون كثر أن الحوار السياسي الجاري ليس سوى أداة لتليين المناخ وتهيئة الأرضية لمأمورية ثالثة، مهما كانت الصيغة الدستورية أو السياسية التي قد تُغلَّف بها. فالتجربة السياسية الموريتانية أثبتت أن “الحوار” غالبًا ما يُستدعى عند انسداد الأفق أو الحاجة إلى كسب الوقت، أكثر من كونه آلية حقيقية لتقاسم السلطة أو تصحيح المسار.
وفي محيط الرئيس، تتعدد مراكز الطموح. فوزير الدفاع السابق، ومرشح الرئاسة السابق، ولد احويرثي، يبدو حريصًا على تقديم نفسه كوريث طبيعي لغزواني، مستندًا إلى علاقاته داخل المؤسسة العسكرية والإدارية، ومحاولًا التموقع كخيار “استمرارية هادئة” لا تهدد توازنات النظام، ولا تفتح الباب أمام مفاجآت غير محسوبة.
في المقابل، لا يخفي كل من ولد حننّ وولد اجاي قناعتهما بأنهما الأجدر بكرسي الرئاسة، سواء بحكم التجربة السياسية، أو الموقع التنفيذي، أو القرب من مراكز القرار. غير أن هذا التنافس، وإن بدا علنيًا أحيانًا، يظل محكومًا بسقف النظام نفسه، حيث لا يُسمح لأي طموح بأن يتحول إلى قوة ضغط مستقلة خارج الإطار المرسوم.
وبعيدًا عن الأضواء، تتحرك شخصيات أخرى بصمت، تترقب اللحظة المناسبة، وتُعدّ العدة على مهل. هؤلاء لا يملكون – حتى الآن – حضورًا إعلاميًا أو سياسيًا طاغيًا، لكنهم يعوّلون على عامل المفاجأة، وعلى هشاشة التوافقات القائمة، وعلى احتمال أن يُفرز أي تصدع داخل النظام فرصة سانحة لإعادة خلط الأوراق.
استشرافيًا، يمكن القول إن المستقبل السياسي لموريتانيا سيتحدد وفق ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
أولها، سيناريو الاستمرارية، حيث ينجح غزواني – أو من يختاره – في فرض مسار ناعم يضمن بقاء المنظومة نفسها، مع تغييرات شكلية لا تمس جوهر الحكم.
وثانيها، سيناريو الصراع المكتوم، حيث تتفاقم التنافسات داخل أجنحة النظام، ما قد يؤدي إلى إعادة ترتيب قسرية، أو إلى بروز مرشح توافقي يُنقذ المرحلة دون إحداث قطيعة حقيقية.
أما السيناريو الثالث، والأقل حظًا حتى الآن، فهو سيناريو التحول، حيث يفرض الشارع، أو أزمة اقتصادية أو اجتماعية خانقة، معادلة جديدة تُجبر النخبة السياسية على إعادة التفكير في قواعد اللعبة برمتها.
غير أن العامل الغائب الأكبر في كل هذه السيناريوهات يظل هو المواطن. فطالما ظل النقاش محصورًا في “من يحكم” بدل “كيف يُحكم البلد”، وطالما غابت البرامج الجادة والالتزامات الواضحة تجاه قضايا الفقر، والبطالة، والعدالة الاجتماعية، فإن أي تغيير في الوجوه لن يعني بالضرورة تغييرًا في الواقع.
موريتانيا اليوم ليست فقط أمام استحقاق سياسي، بل أمام اختبار تاريخي: إما أن تواصل الدوران في فلك الطموحات الفردية، أو أن تفتح أفقًا جديدًا لدولة المؤسسات والمساءلة. وحتى إشعار آخر، يبدو أن ميزان القوى لا يزال يميل لصالح الخيار الأول، مع ترك الباب مواربًا على مفاجآت لا يُمكن استبعادها في بلد اعتاد أن يُفاجئ الجميع في اللحظات الحرجة.

زر الذهاب إلى الأعلى