مقالات

موريتانيا في كهف افلاطون:  خمسين عامًا من الفساد والمحسوبية

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب ، انواكشوط

لم يكن كتاب الجمهورية للفيلسوف اليوناني أفلاطون مجرد تصور فلسفي لمدينة مثالية، بل تحليلًا دقيقًا لكيفية سقوط الدول عندما تنتقل السلطة من أصحاب الكفاءة إلى أصحاب النفوذ.
بعد ستة عقود من الاستقلال، تبدو موريتانيا نموذجًا حيًا لما حذر منه أفلاطون:
الدولة لا تنهار بسبب الفقر فقط بل بسبب طريقة توزيع السلطة والثروة.وطريقة الحكم أيضا…
لنري  كيف تشكّل نظام المحسوبية والفساد داخل الدولة الموريتانية منذ الاستقلال وحتى اليوم.

● المرحلة الأولى: دولة الاستقلال وبذور الزبونية (1960 – 1978)
عند استقلال موريتانيا تحت حكم الرئيس الأسبق المختار ولد داداه،رحمه الله .. واجهت الدولة نقصًا حادًا في الأطر الإدارية.
لكن بدل بناء إدارة قائمة على التخصص، بدأت مبكرًا سياسة:
توظيف سياسي لضمان الاستقرار،
توزيع المناصب لإدارة التوازنات القبلية،
دمج الولاء الاجتماعي في مؤسسات الدولة.وتأسست الإدارة الوطنية بسرعة لتغطية فراغ الإستقلال، لكن ضعف الكوادر أنذاك فتح الباب مبكرا لهيمنة الواجهات التقليدية وشبكات القرابة والتفوذ الاجتماعي.
كانت تلك لحظة تأسيس ما يسميه خبراء الحكم في إفريقيا بـ الدولة الزبونية.
ورغم نجاحات سيادية مثل بناء العاصمة واصدار العملة الوطنية، وتأميم شركة ميفرما وتحويلها إلى الشركة الوطنية للصناعة والمناجم، فإن الإدارة بقيت هشّة وتعتمد على الأشخاص لا المؤسسات ومع ذالك كانت تلك الفترة أقل فساد وأفضل بكثير في مجال التسيير واحترام الدولة.

● المرحلة الثانية: العسكر واقتصاد الولاء (1978 – 2005)
بعد انقلاب 1978 في موريتانيا، دخلت البلاد مرحلة حكم عسكري طويل تخللته سياسات تخبط وفشل كبير وبدأ التهور  الفعلي للحس الوطني والمدني.
وخلال حكم الرئيس معاوية ولد الطايع تحديدًا، تحولت الدولة تدريجيًا إلى شبكة ولاءات سياسية واقتصادية.تقوم علي تحالفات ومحاصصات فئوية وقبيلة، وايضا عشائرية وعرقية.!

حيث برز الفساد في أقبح صوره وبرعاية رسمية احيانا.!!

● ابرز مظاهر الفساد خلال هذه المرحلة:
1. رخص الصيد البحري
منحت تراخيص استغلال الثروة السمكية — أحد أغنى الموارد الوطنية — لشركات مرتبطة بنخب سياسية أو وسطاء أجانب، بينما بقي الصياد التقليدي خارج دورة الربح.
2. العقار في نواكشوط
شهدت العاصمة أكبر عمليات توزيع للأراضي منذ الثمانينيات:
منح قطع أرضية لمسؤولين وكبار الضباط،
إعادة بيعها لاحقًا بملايين الأوقية،
نشوء طبقة ثرية مرتبطة بالإدارة.
3. التوظيف الإداري
أصبحت الوظيفة العمومية أداة احتواء سياسي، لا أداة خدمة عامة.
وهنا تحقق وصف أفلاطون حرفيًا:
حين تصبح الدولة مصدر امتياز، يفقد القانون معناه.
المرحلة الثالثة:

تنازلت الدولة عن كبريات مؤسساتها لصالح حفنة من رجال الأعمال المقربين من السلطة ، تحت شعار إلخوصصة .

فتح المجال ليبرالية التعليم والصحة .

أصيبت الوحدة الوطنية بأضرار فادحة هددت تلاحم الشعب واستقرار الدولة.
● الديمقراطية الشكلية وخصخصة النفوذ (2005 – 2019)
بعد التحولات السياسية والانقلابات المتعاقبة، دخلت موريتانيا مرحلة تعددية انتخابية، لكنها لم تُنهِ بنية الفساد بل أعادت تشكيلها.
● خلال هذه الفترة:
تضاعفت الصفقات العمومية،
توسعت مشاريع البنية التحتية،
ارتفع الإنفاق الحكومي دون تحسن متناسب في الخدمات.
ملفات بارزة
صفقات الطرق والطاقة تقارير رقابية أشارت إلى:
▪︎ مشاريع أُعلن عنها ولم تكتمل،
▪︎ تضخم كبير في كلفة الإنجاز،
▪︎ شركات حديثة النشأة تفوز بعقود ضخمة.
قطاع الصيد والمعادن رغم ارتفاع عائدات الحديد والذهب، ظل تأثيرها الاجتماعي محدودًا، ما يطرح سؤال توزيع الثروة لا حجمها.

● المرحلة الرابعة: دولة المحاصصة،و الصفقات الكبرىوالتسيب الإداري  (2019 –حتي اليوم)
بلغ النقاش حول الفساد ذروته مع التحقيقات المرتبطة بفترة حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز، حيث تناولت لجنة برلمانية ملفات تتعلق بـ:
بيع ممتلكات عمومية،
منح أراضٍ استثمارية،
صفقات الطاقة والبنى التحتية.
وللمرة الأولى في تاريخ البلاد، وُجهت اتهامات رسمية لرئيس سابق، في حدث اعتُبر اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على محاسبة النخبة.غير أن الفساد لم يقف عند هذا الحد بل أزدادت وتيرته وتضخم أفقيا وعموديا حتي غدت عشرية عزيز وفسادها افضل بكثير من سبعية الفساد الذي تلاها.!!
لكن خبراء الحوكمة يرون أن المشكلة أعمق من الأشخاص، لأنها تتعلق ببنية حكم كاملة تشكلت عبر عقود.

● التعليم: المصنع الصامت لإعادة إنتاج الأزمة
لم يكن تراجع التعليم مجرد أزمة قطاعية، بل عاملًا مركزيًا في استمرار المحسوبية:
▪︎ شهادات دون مهارات،
▪︎ إدارة دون تكوين،
▪︎ نخب سياسية تعيد إنتاج نفسها.

● تدني مستوي التعليم
وهو ما ينسجم مع رؤية أفلاطون بأن فساد الحكم يبدأ من فساد التربية. بل تلك الممارسات مازالت مستمرة وتم تدوير أكابر المشمولين في تلك الملفات واسندت لبعضهم وظائف كبيرة وحساسة .وهو ما يمثل إتاحة الفرصة لهم مجددا لممارسة فسادهم بطريقة أكبر وبدون حساب أيضا!

ان المفسدين الذين تم تدويرهم بطريقة مستفزة لعامل الشعب أصبحوا يتصرفون بطريقة الغازي المنتصر .

● موريتانيا داخل الكهف: فجوة الحقيقة
في أسطورة الكهف، يصدق الناس الظلال لأنهم لم يروا الضوء.
خلال خمسين عامًا:
▪︎ ارتفع الناتج الوطني بفضل المعادن والصيد،
لكن البطالة والهجرة السرية تصاعدتا،بشكل كبير
وتراجعت الثقة بين المواطن والدولةبسبب الفساد والفشل في تحقيق أي شئ مهم لصالحه.
الخطاب الرسمي يتحدث عن التنمية، بينما الواقع يبين عكس ذالك. يعيش المواطن اقتصادًا هشًا وخدمات متدهورة.

● أزمة نظام لا أفراد
▪︎ يكشف تتبع نصف قرن من الحكم في موريتانيا حقيقة واحدة:
الفساد لم يكن حادثًا عابرًا، بل نظامًا غير مكتوب لإدارة السلطة يقوم على:
▪︎ الولاء بدل الكفاءة،
▪︎ النفوذ بدل القانون،
▪︎ الامتياز بدل الخدمة العامة.
ولو قرأنا المشهد بعين أفلاطون، فالمشكلة ليست في الدولة الموريتانية نفسها، بل فيمن يديرونها.
السؤال لم يعد:
▪︎ هل يوجد فساد؟
بل أصبح هنالك الفساد فعلا .
▪︎ هل تستطيع دولة بُنيت على المحسوبية لعقود أن تعيد تأسيس نفسها على الكفاءة؟!

زر الذهاب إلى الأعلى