أخبار وطنية

نظام  المحاصصة… يقصى الكفاءة ويختزل الوطن في شبكة ولاءات

محمد عبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب – نواكشوط

medabd388@gmail

 

في لحظة يفترض أن تتسابق فيها الدول نحو ترسيخ الحوكمة الرشيدة وتعزيز الكفاءة داخل مؤسساتها، ما تزال الإدارة في بلادنا عالقة في نموذج تقليدي يُقوِّض فكرة الدولة من أساسها. نموذج لا يرى في الوظيفة العمومية مسؤولية، بل غنيمة؛ ولا في المنصب تكليفًا، بل امتدادًا لنفوذ اجتماعي ضيق.
لم يعد خافيًا أن معايير التعيين والترقية في كثير من مفاصل الإدارة لا تقوم على الجدارة، بل على اعتبارات الانتماء والولاء. وهنا تكمن الأزمة الحقيقية: حين تُستبدل الكفاءة بالمحاصصة، يتحول المرفق العام إلى مساحة لتقاسم النفوذ بدل أن يكون أداة لخدمة المواطن

● الإدارة بين منطق الخدمة ومنطق الغنيمة
الوظيفة العمومية، في جوهرها، عقد أخلاقي وقانوني بين الدولة والمجتمع، يقوم على تقديم خدمة ذات جودة، بكفاءة ونزاهة. غير أن هذا المفهوم يتآكل تدريجيًا عندما يُدفع بغير المؤهلين إلى مواقع القرار، ويُقصى أصحاب الخبرة لصالح شبكات العلاقات.
في مثل هذا السياق، يصبح الخلل بنيويًا لا فرديًا. تتراجع جودة الأداء، تتعطل الملفات، وتُدار المؤسسات بمنطق الارتجال بدل التخطيط. وحين يغيب معيار المحاسبة، يتحول التقصير إلى سلوك عادي، بل إلى جزء من الثقافة الإدارية السائدة.

● المحاصصة العشائرية… تهديد صامت لفكرة الدولة
ليست المحاصصة مجرد انحراف إداري، بل هي مسار موازٍ يقود تدريجيًا إلى تفكيك الدولة لصالح مراكز قوى غير رسمية. فهي تعيد تعريف الانتماء من “مواطنة متساوية” إلى “ولاء ضيق”، وتُخضع القرار العام لتوازنات لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.
في ظل هذه الممارسات:
▪︎ تُهمَّش الكفاءات التي لا تملك سندًا اجتماعيًا
▪︎ تُسند المسؤوليات لمن يفتقرون إلى الحد الأدنى من التأهيل
▪︎ يُقوَّض مبدأ تكافؤ الفرص، وهو حجر الأساس لأي دولة حديثة
والنتيجة إدارة عاجزة عن الاستجابة لتحديات التنمية، ومجتمع يفقد ثقته تدريجيًا في مؤسساته.

▪︎ كلفة الفشل… أكثر من مجرد أرقام
قد يُقاس الفشل الإداري أحيانًا بخسائر مالية أو مشاريع متعثرة، لكنه في الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إنه ينعكس على جودة التعليم، وكفاءة الخدمات الصحية، وفعالية السياسات الاقتصادية. إنه يحدّ من فرص الشباب، ويُضعف ثقة المستثمر، ويُبقي البلاد في دائرة التبعية والتأخر.
وحين يشعر المواطن أن القانون لا يُطبَّق إلا بانتقائية، وأن الفرص لا تُمنح إلا وفق معايير غير عادلة، فإن الإحساس بالانتماء ذاته يتآكل.

● الدولة المدنية… خيار لا بديل عنه
لا يمكن الخروج من هذا المأزق دون انتقال حقيقي نحو نموذج الدولة المدنية الحديثة، التي تقوم على:
▪︎ الجدارة معيارًا وحيدًا للتوظيف والترقية
▪︎ القانون مرجعية عليا تُطبَّق على الجميع دون استثناء
▪︎ المحاسبة كآلية دائمة لضبط الأداء ومنع الانحراف
▪︎ المؤسسية بدل الشخصنة والولاءات
إن بناء إدارة فعالة لا يتطلب فقط نصوصًا قانونية، بل إرادة سياسية تُترجم هذه النصوص إلى واقع ملموس، عبر إصلاحات جذرية تبدأ من آليات التوظيف، ولا تنتهي عند تقييم الأداء.

● إلى متى؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل نُدرك حجم المشكلة؟ بل: هل نملك الشجاعة لمعالجتها؟
فالدول لا تنهض بالشعارات، بل بالاختيارات الصعبة.
ولا تتقدم بإعادة إنتاج نفس الأنماط، بل بكسرها.
إن الاستمرار في إدارة الشأن العام بمنطق المحاصصة لن يؤدي إلا إلى مزيد من التآكل، مهما تغيرت الوجوه أو تعددت الخطابات.
أما الرهان الحقيقي، فهو على دولة تحترم الإنسان، وتُقدِّر الكفاءة، وتجعل من القانون سقفًا لا يُخرق.
دولة لا مكان فيها لامتياز غير مستحق… ولا لموقع لا يُبنى على الاستحقاق.

زر الذهاب إلى الأعلى