أخبار دولية

هل يسير إبراهيم تراوري على خطى توماس سانكارا؟ قراءة تحليلية في التجربة البوركينابية الجديدة

محمد عبد الرحمن ولد عبد الله
صحفي متابع للأوضاع  في  دول الساحل

– نواكشوط . موريتانيا

 

منذ الانقلاب الذي قاده القائد الشاب إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو عام 2022، لم يتوقف الجدل حول الرجل الذي صعد من ثكنته العسكرية إلى قمة السلطة في بلد منكوب بالفقر والإرهاب والتدخلات الخارجية.
وكلما ظهر تراوري بزيه العسكري، وخطابه الحماسي، وعباراته الموجهة ضد «الاستعمار الجديد»، تعالت الأسئلة:
هل نحن أمام سانكارا جديد؟ أم أن الصورة الثورية أكبر من الواقع؟


●  تقاطعات قوية مع إرث سانكارا

لا شك أن تراوري يتعمد استدعاء إرث توماس سانكارا – الأب الروحي للثورات الإفريقية الحديثة – الذي قاد البلاد بين 1983 و1987، وقدم نموذجًا جريئًا في الاستقلال الاقتصادي والسياسي ومحاربة الفساد والقبلية.

ومن أبرز نقاط التشابه:

1. خطاب مناهض للهيمنة الخارجية
مثل سانكارا، يرفع تراوري راية المقاومة ضد النفوذ الفرنسي، ويتحدث عن “التحرر من الاستعمار الجديد”، ويعزز علاقات مع شركاء غير تقليديين مثل روسيا.
وهو بذلك يعيد إنتاج معادلة “إفريقيا للأفارقة” التي صاغها سانكارا في ثمانينيات القرن الماضي.

2. مشروع اقتصادي يقوم على الاكتفاء الذاتي
يتحدث تراوري عن بناء اقتصاد وطني مستقل، وتأميم قطاع الذهب، وتطوير الزراعة المحلية، ومواجهة التبعية للمؤسسات الغربية.
وهي نفس الأسس التي بنى عليها سانكارا مشروعه القصير العمر، حين جعل “الإنتاج المحلي” شعارًا وفعلًا.

3. زعامة شبابية بنَفَس ثوري
تراوري أصغر رئيس في العالم اليوم (مواليد 1988)، ويستمد شعبيته من الشباب والطبقات الفقيرة، كما كان سانكارا.
يرفض الامتيازات الكبيرة، ويظهر بزيه العسكري البسيط، في مشهد مقصود لاستحضار الصورة الرمزية للقائد الزاهد.


●  لكن… الفروق لا تقل أهمية

رغم الشعارات الثورية، لا يمكن القول إن تجربة تراوري نسخة طبق الأصل من سانكارا:

1. أولوية الأمن لا الثورة الاجتماعية
سانكارا جاء في سياق دولة مستقرة نسبيًا، أما تراوري فيحكم بلدًا يسيطر الإرهاب على أكثر من 40% من أراضيه.
لذلك، فإن مشروعه مشدود إلى بندقية الحرب قبل محراث الزراعة أو قاعات التعليم.

2. تحالفات جديدة بدل الاستقلال الكامل
سانكارا رفض كل أشكال الاصطفاف الدولي، بينما تراوري يقترب أكثر من موسكو، ويُتهم بمنح امتيازات لبعض الشركات والكيانات الأمنية الروسية.
هنا يسأل البعض:
هل هو تحرر من فرنسا أم استبدال استعمار بآخر؟

3. ضغوط على الإعلام والمعارضة
تتهم منظمات حقوقية سلطة تراوري بتضييق على الصحافة، واعتقال معارضين، وتأجيل الانتخابات لأجل غير معلوم.
وهي ممارسات إن استمرت قد تضع مشروعه في خانة “العسكرة الوطنية” بدل “الثورة الشعبية”.


● بين الرمز والواقع

يحاول تراوري صناعة سردية تقول:
“أنا الوريث الشرعي لسانكارا”
وقد نجح في ذلك إلى حد بعيد لدى الجماهير الغاضبة من الفقر والتبعية، وخصوصًا ملايين الشباب الذين يرون فيه بطلًا أفريقيًا جديدًا.

لكن التاريخ لا يُكتب بالخطابات وحدها.
سانكارا تحوّل إلى أيقونة لأنه بنى مدرسة، وزرع حقلًا، ودوّن دستورًا أخلاقيًا لمحاربة الفساد.

أما تراوري، فما يزال في اختبار الزمن:
هل سيعيد هيكلة الدولة؟
هل سيبني اقتصادًا وطنيًا حقيقيًا؟
هل سيستطيع تحرير بوركينا فاسو من الإرهاب قبل تحريرها من النفوذ الدولي؟


●  الخلاصة

نعم، إبراهيم تراوري يسير على خطى سانكارا… ولكن على طريق مليء بالألغام.
يشبهه في الروح والخطاب والرمزية، ويختلف عنه في السياق والوسائل وطبيعة التحديات.
فسانكارا صنع ثورته في زمن الحرب الباردة، بينما تراوري يصنعها في زمن الإرهاب العالمي وحرب النفوذ بين القوى الكبرى.

وحده التاريخ سيقرر:
هل كان مجرد صدى لأسطورة سابقة؟
أم أنه سيكتب فصلًا جديدًا في سيرة الزعامات الإفريقية التي لم تخضع؟

زر الذهاب إلى الأعلى