وصول “Margiris” إلى نواذيبو… حين تطرق أخطر سفن الصيد أبواب الثروة البحرية الموريتانية

لم يكن رسوّ سفينة الصيد العملاقة Margiris في ميناء نواذيبو حدثًا عابرًا، بل أشبه بجرس إنذار يُقرَع بقوة في وجه واحدة من أهم الثروات الوطنية: البحر الموريتاني. فهذه السفينة، المصنّفة ثاني أكبر سفينة صيد في العالم، ليست مجرد قطعة حديد عائمة، بل مصنع عائم قادر على تفريغ البحر في صمت وبسرعة مذهلة.
بطول يقارب 143 مترًا، وحمولة تفوق 6200 طن، تمتلك “Margiris” قدرة تقنية تُمكّنها من اصطياد ومعالجة نحو 250 طنًا من الأسماك يوميًا، أي ما يعادل حصيلة عشرات القوارب التقليدية مجتمعة. هذا الفارق الهائل في القدرة يجعلها، في نظر خبراء البيئة، أداة صيد جائر أكثر منها وسيلة استغلال مستدام.
وليست هذه السفينة جديدة على الجدل. فقد مُنعت من العمل في المياه الأسترالية عام 2012 بعد احتجاجات بيئية عارمة، كما طُردت من سواحل إيرلندا وبريطانيا تحت ضغط الرأي العام والمنظمات الخضراء، بسبب ما تسببه من تدمير للمخزون السمكي والإخلال بالتوازن البيئي.
الخطر لا يكمن فقط في الكمية، بل في نوعية ما تلتهمه شباكها العملاقة: أسماك كبيرة وصغيرة، بالغة وصغيرة، في ضربة واحدة. وهو ما يعني عمليًا نسف دورة التكاثر الطبيعية، وتحويل البحر إلى حقل مُستنزف خلال وقت قياسي، وترك آلاف الصيادين الموريتانيين في مواجهة مستقبل غامض بلا مورد ولا رزق.
صحيح أن وجود السفينة في الميناء لا يُعد بحد ذاته مخالفة قانونية، لكن القلق الحقيقي يبدأ عند لحظة دخولها مياه الصيد. فغياب الشفافية، أو ضعف الرقابة، أو منح تراخيص في الظل، قد يحوّل هذه الزيارة إلى كارثة بيئية واقتصادية مكتملة الأركان.
إن الثروة البحرية الموريتانية ليست غنيمة عابرة، بل عمود الأمن الغذائي ومورد الأجيال القادمة. والسماح لسفن فائقة القدرة مثل “Margiris” بالعمل دون قيود صارمة، يعني فتح الباب أمام نهب منظم لبحرٍ لا يملك صوتًا ليدافع عن نفسه.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يحتاج الرأي العام إلى توضيح رسمي شفاف:
ما طبيعة مهمة هذه السفينة؟
ما حدود الترخيص الممنوح لها؟
ومن يراقب ما تلتقطه شباكها في أعماق المياه الموريتانية؟
فالصمت هنا ليس حيادًا… بل قد يكون مشاركة غير مباشرة في إفراغ البحر من حياته.







