
محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي ، وكاتب
medabd388@gmail
في بلد يعاني أصلًا من بطالة مرتفعة وفرص عمل محدودة، يفترض أن تكون السياسات الحكومية موجّهة لحماية المبادرات الفردية وتشجيع الشباب على خلق فرصهم بأنفسهم. لكن ما يحدث في موريتانيا اليوم يبدو عكس ذلك تمامًا؛ إذ تتحول السياسات الاقتصادية إلى سلاح موجّه ضد الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الشباب الذين لم يجدوا من الدولة وظيفة، فخلقوا لأنفسهم مصدر رزق بجهدهم الخاص.
لقد أصبح واضحًا أن مشكلة التشغيل في موريتانيا لم تعد مجرد نقص في الوظائف، بل تحوّلت إلى منظومة كاملة من الزبونية والمحسوبية التي تحرم آلاف الشباب من حقهم في العمل. فالمناصب تُوزّع وفق الولاءات، والفرص تُمنح عبر العلاقات، بينما يبقى الشباب الكفؤ خارج اللعبة، يُدفع دفعًا إلى الهامش.
ومع ذلك، لم يستسلم كثير من هؤلاء الشباب. فبدل انتظار وظيفة حكومية قد لا تأتي أبدًا، اتجهوا إلى العمل الحر، وبرزت تجارة الهواتف المحمولة كواحدة من أهم القطاعات التي استوعبت أعدادًا كبيرة من العاطلين عن العمل. هذه السوق لم تكن مجرد تجارة بسيطة، بل تحولت إلى شبكة اقتصادية حقيقية وفرت دخلاً لآلاف الأسر وفتحت أبواب رزق واسعة في ظل اقتصاد يعاني أصلاً من محدودية الخيارات.
غير أن ما يجري اليوم يهدد هذا القطاع بشكل مباشر. فالقرارات الضريبية الجديدة التي تُفرض على هذا النشاط تبدو وكأنها ضربة قاضية لمصدر رزق آلاف الشباب. الضرائب المرتفعة والإجراءات المرتجلة لا تضيق فقط على التجار، بل تدفع كثيرين منهم إلى حافة الإفلاس، وتجبرهم عمليًا على إغلاق محلاتهم.
هنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فالدولة التي لم توفر الوظائف لهؤلاء الشباب، تحاول الآن خنق المبادرات التي صنعوها بأنفسهم. وهذه معادلة خطيرة: بطالة من جهة، وضرائب خانقة من جهة أخرى. وفي النهاية، يجد آلاف الشباب أنفسهم أمام طريق مسدود.
إن الإصرار على فرض ضرائب مجحفة في هذا التوقيت بالذات يطرح تساؤلات جدية حول مدى إدراك صناع القرار لطبيعة الظرف الدولي والإقليمي. فالعالم يعيش مرحلة اضطراب غير مسبوقة: حروب متصاعدة، أزمات طاقة، وتوقعات متزايدة بأزمة غذاء عالمية. وموريتانيا، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ستكون من أكثر الدول تأثرًا بهذه التحولات.
في مثل هذا السياق، يفترض أن تكون السياسات الاقتصادية حذرة، واقعية، ومراعية للأوضاع الاجتماعية. لكن ما يحدث اليوم يوحي بعكس ذلك؛ فبدل تخفيف الأعباء عن المواطنين، يتم تحميلهم مزيدًا من الضرائب والضغوط.
والتاريخ القريب والبعيد يعلّمنا درسًا بسيطًا: الجوع والغضب الاجتماعي حين يجتمعان يصبحان قوة لا يمكن السيطرة عليها. عندما تُغلق المحلات، وتُقطع مصادر الرزق، ويشعر الناس بأن الدولة تقف ضدهم بدل أن تكون سندًا لهم، فإن الشارع يصبح قابلًا للاشتعال في أي لحظة.
حينها لن تنفع حملات التلميع الإعلامي، ولن يجدي نفعًا جيش المدونين والصحفيين المنافقين الإنبطاحيين لذين يبيعون أقلامهم مقابل الامتيازات. فالأزمات الاجتماعية لا تُطفأ بالدعاية، بل بالسياسات العادلة والقرارات الحكيمة.
إن اللعب بلقمة عيش الناس لعب بالنار بكل ما تحمله الكلمة من معنى. والدول التي لا تسمع صوت شعبها في الوقت المناسب، غالبًا ما تضطر لسماعه لاحقًا بصوت أعلى… صوت الشارع حين يغضب.
ولهذا، فإن الحكمة تقتضي التراجع عن هذه السياسات الضريبية المجحفة، وفتح حوار جاد مع الفاعلين الاقتصاديين والشباب العاملين في هذا القطاع، قبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية لا يمكن احتواؤها.
فحماية استقرار البلد تبدأ من حماية لقمة عيش مواطنيه.