المأمورية الثالثةو هاجس البقاء : أي مستقبل للديمقراطية في موريتانيا؟

محمدعبدالرحمن ولد عبدالله
صحفي وكاتب ، انواكشوط
ليس مفاجئًا أن تعود إلى الواجهة بين الحين والآخر دعوات التمديد أو المأمورية الثالثة، فالتجربة السياسية في موريتانيا، كما في غيرها من دول المنطقة، تُظهر أن إغراء البقاء في السلطة يتعاظم كلما طال أمدها في يد شخص واحد. السلطة بطبيعتها لا تُغري فقط بممارسة النفوذ، بل تُغري أيضًا بالخوف من فقدانه.
لقد رسّخ دستور موريتانيا مبدأ تحديد المأموريات كضمانة لتداول سلمي على الحكم، وهي مكسب ديمقراطي لم يأتِ بسهولة. غير أن تكرار الحديث عن تعديل النصوص أو الالتفاف عليها يعكس خللًا عميقًا في الثقافة السياسية، حيث يُنظر إلى الدولة باعتبارها امتدادًا لشخص الحاكم، لا مؤسسةً فوق الجميع.
● هاجس التجربة السابقة
تجربة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ما تزال حاضرة في المشهد السياسي. فالرجل الذي غادر الحكم بعد مأموريتين وجد نفسه لاحقًا أمام مسارات قضائية معقدة، وهو ما جعل مغادرة السلطة في المخيال السياسي المحلي مقرونة بالمخاطر لا بالمكانة الرمزية التي تليق برئيس سابق.
هذا الإرث يُغذّي لدى أي رئيس حالي هاجسًا مشروعًا أو غير مشروع: ماذا بعد الكرسي؟ كيف ستكون الحماية؟ وما الضمانات؟ وهنا يتحول الخوف من المستقبل إلى دافع للبقاء، حتى وإن كانت الحصيلة التنموية لا تبرر تمديدًا أو تجديدًا استثنائيًا.
● أضرار المأمورية الثالثة على الديمقراطية
الدعوة إلى مأمورية ثالثة لا تمثل مجرد تعديل دستوري عابر، بل تمس جوهر النظام الديمقراطي في عدة نقاط:
تقويض مبدأ التداول السلمي على السلطة
حين يُفتح الباب لتعديل القيود الزمنية، تصبح القاعدة خاضعة للظرف السياسي، لا للمبدأ الدستوري. وهذا يضعف الثقة في النصوص ويحوّلها إلى أدوات قابلة للتطويع.
إضعاف المؤسسات لصالح الفرد
كلما طال بقاء الحاكم، تعززت شبكات الولاء الشخصي، وتراجعت استقلالية المؤسسات الرقابية والقضائية، لأن بقاءها يصبح مرتبطًا ببقائه.
● إحباط النخب الصاعدة
الديمقراطية ليست فقط صندوق اقتراع، بل أفق تداول. وعندما يُغلق الأفق أمام القيادات الشابة أو المعارضة، تتراكم مشاعر الإقصاء والاحتقان.
● تشويه الأولويات التنموية
بدل أن يكون التركيز على إنجازات ملموسة في التعليم، والصحة، والتشغيل، ينصرف الجهد السياسي إلى إدارة معركة البقاء، وتعبئة الأنصار، وضمان الولاءات.
● بين الشرعية والإنجاز
الشرعية في الأنظمة الديمقراطية تُقاس بمدى احترام الدستور، لا بمدى السيطرة على المشهد السياسي. وإذا كانت الإنجازات متواضعة، فإن الرهان على تعديل قواعد اللعبة لتعويض ضعف الحصيلة يمثل اعترافًا ضمنيًا بالعجز عن الإقناع عبر الأداء.
إن الرئيس الذي يثق في منجزه، وفي قوة مؤسسات بلده، لا يحتاج إلى مأمورية استثنائية ليحفظ مكانته في التاريخ. أما الذي يخشى الحساب أو المجهول، فقد يرى في التمديد مظلة أمان مؤقتة، لكنها مظلة تُضعف الدولة على المدى البعيد.
● الديمقراطية ليست ترفًا
في بلد مثل موريتانيا، حيث التحديات الاقتصادية والاجتماعية كبيرة، يصبح احترام سقف المأموريات رسالة طمأنة داخلية وخارجية بأن الدولة تسير في مسار مؤسسي. العبث بهذه القاعدة قد يمنح استقرارًا شكليًا قصير الأمد، لكنه يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تُعيد البلاد إلى منطق الشخصنة.
التاريخ السياسي في إفريقيا حافل بأمثلة رؤساء عدّلوا الدساتير للبقاء، وكانت النتيجة غالبًا تآكل الثقة، واحتقان الشارع، وتراجع صورة الدولة. والديمقراطية، مهما كانت هشّة، تبقى أقل كلفة من إعادة إنتاج أزمات الشرعية.
في النهاية، السؤال ليس: هل يمكن تعديل الدستور؟
بل: أي دولة نريد؟ دولة مؤسسات تُدار بالقواعد، أم دولة تُدار بالهواجس؟







