تشجير رسمي ..في زمن العطش الشعبي!
بينما تئنُّ العاصمة نواكشوط تحت وطأة العطش المزمن، وتتعالى شكاوى السكان من انقطاع المياه لأيام متتالية في أحياء رئيسية مثل دار النعيم، توجنين، عرفات، السبخة والميناء… تطلق الحكومة أسبوعًا وطنيًا للتشجير تحت شعار: “لنعمل من أجل موريتانيا خضراء”.
العطش أولًا… قبل الشجر
في مناطق عديدة من نواكشوط، بات الحصول على الماء تحديًا يوميًا:
سعر صهريج الماء (5 طن) ارتفع إلى 5000 أوقية جديدة
بعض الأسر تنفق شهريًا ما يعادل ربع دخلها فقط على شراء المياه من السوق السوداء.
تقارير داخلية من شركة SNDE تشير إلى أن نسبة تسرب المياه بسبب تقادم الشبكة تفوق 35%، ما يعني هدرًا كبيرًا في ظل شح التوزيع.
كم كلّف أسبوع الشجرة؟
لا تصرّح وزارة البيئة بالتكلفة الكاملة لحملات التشجير، لكن مصادر مطلعة أكدت أن الحملة الأخيرة:
وزّعت أكثر من 100,000 شجيرة.
تطلّبت استئجار عشرات السيارات والآليات.
تم تنظيم أنشطة دعائية وتوزيع لافتات في جميع الولايات.
كلفة تقديرية تتجاوز 150 مليون أوقية قديمة، بحسب مصادر غير رسمية.
سؤال المواطن: من يسقي من؟
في منطقة عرفات، التقينا السيدة “أم الخير”، التي قالت:
> “نحن عطشى منذ أسبوع، نشتري الماء بالأوقية يوميًا، ثم نراهم يزرعون الأشجار في مدرستنا، من أين سيأتون لها بالماء؟ هل نحن أقلّ من شجرة؟
وفي توجنين، علق أحد الشباب قائلاً:
> “الأشجار مهمة، نعم، لكن حين لا يجد المواطن قطرة ماء في بيته، يصبح التشجير نوعًا من الاستفزاز”.
فجوة الأولويات: من المسؤول؟
يشير خبراء إلى أن التخطيط البيئي يجب أن يُدرج ضمن رؤية تنموية متكاملة، لا أن يتحوّل إلى مظاهر استعراضية على حساب أساسيات الحياة.
د. محمد الأمين ولد السالك، أستاذ الاقتصاد البيئي، يوضح:
> “التشجير ضروري، ولكن ليس على حساب الماء. لا معنى لشجرة تُزرع وتموت في أسبوع، بينما يعاني الإنسان سنوات من العطش. يجب توجيه الميزانيات نحو معالجة جذور الأزمة: تحلية المياه، تحديث الشبكات، وضمان التوزيع العادل”.
في بلد يعاني من أسوأ معدلات توزيع المياه في غرب إفريقيا، يتحوّل “التشجير” إلى شعار فارغ إن لم يُسند بسياسة مائية عادلة.
فالماء أولًا… ثم الخضرة.